كان يقتل خصومه بعبارة: "جروا برجل الكلب".. هذه نهايته

الإثنين، 12 نوفمبر 2018 11:19 ص
كان يقتل خصومه بعبارة جروا برجل الكلب..هذه نهايته



كانت هناك مراسم معروفة "بروتوكولات" في العصور الوسطى، أن يتم اختيار لقب للحاكم الجديد، عقب تقلده السلطة، ووصوله للحكم، وكان الأشهر في ذلك هم حكام بني العباس، في المشرق، ودولة الطائف في الأندلس.

وصار هذا التقليد معمولاً به طيلة قرون، وعند سقوط الخلافة العباسية، وقيام دولة المماليك بالأمر السياسي والعسكري، وعند وصول الظاهر بيبرس إلي السلطة، عرضت عليه الألقاب، فعرض عليه أن يتلقب بلقب" القاهر بالله"، فرفضه مستشاروه، وعندما سئل عن ذلك، قالوا: إنه ما تلقب به أحد إلا نكب وتعثر، فعدل عنه.

وقد تلقب بلفظ القاهر بالله الخليفة العباسي" محمد بن المعتضد"، وهو بمثابة الجيل السادس بعد الخليفة المشهور"هارون الرشيد"، فكانت نهايته في غاية الغرابة والألم، لما ارتكبه من حماقات وبطش في الحكم، وأثناء خلافته، فمن هو القاهر بالله؟

محمد القاهر بالله:
ابن المعتضد بالله، ولي الخلافة سنة وستة أشهر وسبعة أيام، وكان بطاشًا سريع الانتقام، فخاف منه وزيره أبو على بن مقلة، فاستتر منه فشرع في العمل عليه عند الأتراك، فخلعوه وسملوا عينيه وأودع دار الخلافة برهة من الدهر، ثم أخرج في سنة ثلاث وثلاثين إلى دار ابن طاهر، وقد نالته فاقة وحاجة شديدة، وسأل في بعض الأيام. ثم كانت وفاته في هذه السنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وله ثنتان وخمسون سنة، ودفن إلىجانب أبيه المعتضد.
وصوله إلي السلطة:
بعد خلع الخليفة المقتدر بالله، وتولية القاهر في المحرم منها، اشتدت الوحشة بين مؤنس الخادم والمقتدر بالله، وتفاهم الحال وآل إلى أن اجتمعوا على خلع المقتدر وتولية القاهر محمد ابن المعتضد، فبايعوه بالخلافة وسلموا عليه بها، ولقبوه القاهر بالله.
وقلد علي بن مقلة وزارته، ونهبت دار المقتدر، وأخذوا منها شيئًا كثيرًا جدًا، وأخذوا لأم المقتدر خمسمائة ألف دينار- وكانت قد دفنتها في قبر في تربتها- فحملت إلى بيت المال، وأخرج المقتدر وأمه وخالته وخواصه وجواريه من دار الخلافة، ذلك بعد محاصرة دار الخلافة، وهرب من كان بها من الحجبة والخدم.
وألزم المقتدر بأن كتب على نفسه كتابًا بالخلع من الخلافة وأشهد على نفسه بذلك جماعة من الأمراء والأعيان.
 فلما كان يوم الأحد السادس عشر من المحرم، جلس القاهر بالله في منصب الخلافة، وجلس بين يديه الوزير أبو علي بن مقلة، وكتب إلى العمال بالآفاق يخبرهم بولاية القاهر بالخلافة عوضًا عن المقتدر، وأطلق علي بن عيسى من السجن، وزاد في إقطاع جماعة من الأمراء الذين قاموا بنصره، منهم أبو الهيجاء بن حمدان.
بطشه وجرأته:
وشرع القاهر في مصادرة أصحاب المقتدر وتتبع أولاده، واستدعى بأم المقتدر وهي مريضة بالاستسقاء، وقد تزايد بها الوجع من شدة جزعها على ولدها حين بلغها قتله، وكيف بقي مكشوف العورة.
فبقيت أيامًا لا تأكل شيئًا، ثم وعظها النساء حتى أكلت شيئًا يسيرًا من الخبز والملح، ومع هذا كله استدعى بها القاهر، فقررها على أموالها، فذكرت له ما يكون للنساء من الحلي والمصاغ والثياب، ولم تقر بشيء من الأموال والجواهر، وقالت له: لو كان عندي من هذا شيء ما سلمت ولدي. فأمر بضربها وعلقت برجليها ومسها بعذاب شديد من العقوبة، فأشهدت على نفسها ببيع أملاكها، فأخذه الجند مما يحاسبون به من أرزاقهم، وأرادها على بيع أوقافها فامتنعت من ذلك وأبت أشد الإباء.
ثم استدعى القاهر بجماعة من أولاد المقتدر منهم أبو العباس وهارون والعباس وعلي والفضل وإبراهيم، فأمر بمصادرتهم وحبسهم، وسلمهم إلى حاجبه على بن بليق.
ثم إن الوزير ومؤنساً الخادم وعلى بن بليق وجماعة من الأمراء اشتوروا فيما بينهم على خلع القاهر وتولية أبى أحمد المكتفي، وبايعوه سرًا فيما بينهم، وضيقوا على القاهر بالله في رزقه، وعلى من يجتمع به.
 وأرادوا القبض عليه سريعًا، فبلغ ذلك القاهر- بلغه طريف اليشكري- فسعى في القبض عليهم، فوقع في مخالبه الأمير المظفر مؤنس الخادم، فأمر بحبسه قبل أن يراه والاحتياط على دوره وأملاكه- وكانت فيه عجلة وجرأة وطيش وهوج وخرق شديد- وجعل في منزلته- أمير الأمراء ورياسة الجيش- طريفًا اليشكري، وقد كان أحد الأعداء لمؤنس الخادم قبل ذلك.
وقبض على بليق، واختفى ولده على بن بليق، وهرب الوزير بن مقلة فاستوزر مكانه أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله، في مستهل شعبان، وخلع عليه وأمر بتحريق دار ابن مقلة، ووقع النهب ببغداد، وهاجت الفتنة، وأمر القاهر بأن يجعل أبو أحمد المكتفي بين حائطين ويسد عليه بالآجر والكلس، وهو حي، فمات.
وأرسل منادى على المختفين: إن من أخفاهم قتل وخربت داره، فوقع بعلي بن بليق فذبح بين يديه كما تذبح الشاة، فأخذ رأسه في طست ودخل به القاهر على أبيه بليق بنفسه، فوضع رأس ابنه بين يديه، فلما رآه بكى وأخذ يقبله ويترشفه، فأمر بذبحه أيضا فذبح، ثم أخذ الرأسين في طستين فدخل بهما على مؤنس الخام، فلما رآهما تشهد ولعن قاتلهما.
فقال القاهر: جرّوا برجل الكلب، فأخذ فذبح أيضًا وأخذ رأسه فوضع في طست وطيف بالرءوس في بغداد، ونودي عليهم: هذا جزاء من يخون الإمام ويسعى في الدولة فساًدا، ثم أعيدت الرءوس إلى خزائن السلاح.
كما قبض القاهر على الوزير أبي جعفر محمد بن القاسم وسجنه، وكان مريضا بالقولنج، فبقي ثمانية عشر يوما ومات وكانت وزارته ثلاثة أشهر واثني عشر يوما.
واستوزر مكانه أبا العباس أحمد بن عبد الله بن سليمان الخصيبي، ثم قبض على طريف اليشكري الذي تعاون على مؤنس وابن بليق وسجنه، ولهذا قيل: "من أعان ظالما سلطه الله عليه"، فلم يزل اليشكري في الحبس حتى خلع القاهر.
خلع القاهر وسمل عينيه:
وكان سبب ذلك أن الوزير على بن مقلة كان قد هرب حين قبض على مؤنس كما تقدم، فاختفى في داره، وكان يراسل الجند ويكاتبهم ويغريهم بالقاهر، ويخوفهم سطوته وإقدامه وسرعة بطشه، ويخبرهم بأن القاهر قد أعد لأكابر الأمراء أماكن في دار الخلافة يسجنهم فيها، ومهالك يلقيهم فيها، كما فعل بفلان وفلان، فهيجهم ذلك على القبض على القاهر، فاجتمعوا وأجمعوا رأيهم على مناجزته في هذه الساعة، فركبوا مع الأمير المعروف بـ"سيما"، وقصدوا دار الخلافة فأحاطوا بها، ثم هجموا عليه من سائر أبوابها وهو مخمور، فاختفى في سطح حمام فظهروا عليه فقبضوا عليه وحبسوه في مكان طريف اليشكري، وأخرجوا طريفا من السجن، وخرج الوزير الخصيبى مستترًا في زي امرأة، فذهب.
واضطربت بغداد ونهبت، ثم أمروا بإحضار القاهر، فلما حضر سملوا عينيه حتى سالتا على خديه، وارتكب منه أمر عظيم لم يسمع مثله في الإسلام، ثم أرسلوه، وكان تارة يحبس وتارة يخلى سبيله.
وافتقر حتى قام يومًا بجامع المنصور، فسأل الناس فأعطاه رجل خمسمائة دينار.

اضافة تعليق