د. إلهام شاهين: إمام المسجد وشيخ الحارة يحميان البيوت من الخراب (حوار)

السبت، 10 نوفمبر 2018 12:36 م
7

الأستاذة بجامعة الأزهر في حوار مع موقع "amrkhaled.net":


*مؤسسات المجتمع المدني والقضاء العرفي خط الدفاع الأول عن الأسرة الذي يحميها من الانهيار

*دورات إلزامية للراغبين في الزواج تدريبية في الثقافة الأسرية يضع حدًا لمعدلات الطلاق المخيفة

*غياب المعايير التي حددها الإسلام وتغليب الاعتبارات المادية سبب رئيس في حدوث الانفصال بين كثير من الأزواج

*اللجوء إلى المحاكم لتسوية النزاعات الأسرية وتفعيل الرؤية يدمر نفسية الأطفال

*المجتمع يتعامل مع "المطلق" على أنه كيان منبوذ وهو أحد أهم الأسباب لحالة الاضطراب الراهنة

*توظيف رؤية الأطفال للابتزاز ومن أجل أمور مادية انحطاط أخلاقي وقيمي

*اجتهاد سيدنا عمر حول سن حضانة الطفل قابل للتعديل في ظل المتغيرات المجتمعية

*الأزهر نجح في تسوية 600 نزاع أسري خلال 3 شهور.. وتفعيل دوره "طوق نجاة" للأسرة المصرية

*قانون الخلع تصدى لممارسات خاطئة.. والمبالغة في اللجوء إليه يفقد المرأة حقوقها الشرعية

قالت الدكتور إلهام شاهين، أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، إن وصول معدلات الطلاق داخل المجتمع المصري إلى أرقام غير مسبوقة يعكس الأزمة الشديدة التي يعاني منها مجتمعنا بفعل غياب المعايير الموضوعية التي يقوم على أساسها الزواج متمثلة في الأسس التي حددها الإسلام لبناء الأسرة، واعتماد المعايير المادية بدلاً منها، الأمر الذي يفسر انتشار معدلات الطلاق بهذا الشكل المخيف.
وحثت شاهين في حوار مع موقع "amrkhaled.net" على انتفاضة مجتمعية غير تقليدية للتصدي لمأساة الطلاق، عبر العمل على إعادة تفعيل أدوار شيخ الحارة، وإمام المسجد، وكبير العائلة، والمجالس العرفية في تسوية الأزمات الأسرية، معتبرة أن إجراء تعديل على قانون الأحوال الشخصية ينص على ذلك من شأنه أن يشكل خط الدفاع الأول عن الأسرة المصرية.

كما اقترحت أن يتم إدراج نص في القانون يلزم المقبلين على الزواج بالخضوع لدورات تدريبية، تؤهلهم لخوض تحدى الحياة الزوجية، وعدم إتمام عقد الزواج قبل الحصول على شهادة بذلك، شريطة وجود تسهيلات لعقدها وبشكل غير مركزي، بما يتيح للشباب والفتيات في مناطق الوجه البحري والصعيد الحصول عليها.

وثمنت الأستاذة بجامعة الأزهر، حملة "وعاشروهن بالمعروف"، التي أطلقها الأزهر، واعتبرتها تعكس شعور المؤسسة الدينية بالخطر الذي يشكله انتشار الطلاق على المجتمع المصري، كاشفة أن الأزهر نجح خلال الفترة الماضية في تسوية 600منازعة أسرية، ما يؤكد أنه قادر على أن يكون "طوق النجاة" للأسرة المصرية متى توفر له الدعم للقيام بهذا الدور.

الحوار مع الدكتور إلهام شاهين تطرق للعديد من المشاكل والقضايا التي تواجهها الأسرة المصرية، ووضع "روشتة" علاج لها في السطور التالية.. فإلى نص الحوار:

* معدلات الطلاق في مصر تجاوزت سنويًا 178ألف حالة طلاق، وفق تقديرات رسمية، بم تفسرين ذلك، وما دلالات الأمر؟

** هذا الرقم يعكس الابتعاد بشكل كبير عن الأسس الدينية في بناء الأسرة، وغياب القدرة على تحمل كل منا للآخر، وعدم التمسك بالدفاع عن النواة الأولى للمجتمع، وهي الأسرة، وعدم معرفة كل إنسان بالحقوق والواجبات المفروضة عليه.

كما أنه دليل أيضًا على طغيان الاهتمام بالمادة دون الوضع في الاعتبار النواحي الاجتماعية الأخرى، والتجاهل التام للمشاعر والعواطف والأخلاقيات التي بنى عليه الدين الإسلامي المجتمعات كلها، ومن ثم فإن ما وصلنا إليه من أرقام مذهلة في نسب الطلاق، جاء نتيجة غياب البعد الديني والأخلاقي في الاختيار.

من المهم كذلك الإشارة إلى غياب أسس الاختيار السليمة، ووجود معايير ليست مبنية على معرفة أو علم، وخضوع الاختيار لمنظور شخصي فقط، فالاختيار يتم وفقًا للمنصب، أو الوجاهة الاجتماعية، أو الجمال، والنواحي المادية، مع الابتعاد التام عن المعايير الأساسية التي فرضها الإسلام منذ 1400عام.

*لعلك تقصدين المعايير التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم كأساس في اختيار الزوج والزوجة؟

**هذه المعايير التي وضع أساسها الرسول تعد حجر الأساس والاستقرار للأسرة المسلمة، إذ يقول صلى الله عليه وسلم: "تنكح المرء لأربع، لمالها، ولجمالها، ولحسبهاـ ودينها، فلظفر بذات الدين تربت يداك"، فالشريعة حددت أربعة معايير للاختيار، وزكت الزوجة صاحبة الدين، باعتبارها الخيار الأفضل.

أما فيما يخص الزوج، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"، لكننا إذا بحث أو دققنا في مدى تقيد ركني العلاقة الزوجية بهذه المعايير نجد ابتعادًا شبه تام عنها، وهيمنة المعايير الشخصية والمادية دون أدنى اعتبار للمقاييس المتعلقة بالأخلاق، ومادام الأمر كذلك، فإن انهيار الأسرة يعد نتيجة طبيعية، فما بني على أسس غير صحيحة مآله الانهيار.

*لم تعد المشكلة تقتصر على نسب الطلاق المرتفعة، بل غدت تداعياته على كيان الأسرة هو ما يثير مخاوف المراقبين، في ظل تداعياته السلبية على استقرارها وتماسكها؟

 
**خطورة ارتفاع معدلات الطلاق تتمثل في انهيار الأسرة، وضياع الأولاد بين الطرفين، وهو ما يعد نتيجة لانهيار المنظومة الأخلاقية، فالطلاق موجود في كل المجتمعات وعلى مر العصور، لكنه كان لا يمثل خطرًا كما هو الحال الآن، حيث كان المطلق، أو المطلقة، يتزوج بشكل سريع دون تعقيد، إلا أن الوضع الآن بات مختلفًا.

 


*ما أسباب تفاقم الأزمة من وجهة نظرك؟

 
** عدم القبول المجتمعي بالطلاق زاد من صعوبة أن يعيش المطلق حياته بشكل عادي، أو يكوّن أسرة شأنه شأن المطلقة، حيث لم يعد أحد يستسغ الزواج من امرأة مطلقة، حيث تظل منبوذة وحيدة كأنها ارتكبت جرمًا، على الرغم من أن الطلاق حق مشروع، وهو أمر يختص به مجتمعنا المصري، على عكس ما كان يجري في السابق، حيث كانت العلاقة بين المطلقين تقوم على الاحترام المتبادل والتفاهم حول مستقبل الأولاد، وهو ما بتنا نفتقده الآن.

*ولماذا المجتمع المصري دونما عن المجتمعات الأخرى ينظر إلى المطلق أو المطلقة هذه النظرة؟

**بسبب البعد عن الدين، وهيمنة المعايير المادية والشخصية على الزواج، والاهتمام بالمظاهر أكثر من أي شيء آخر؛ فمثلاً على الصعيد العربي، ترتفع داخل المجتمع الفلسطيني والسعودي نسب الطلاق، لكن هناك إقبالاً شديدًا على الزواج، ويمارس المطلق والمطلقة حياته بصورة طبيعية، ويتم التوصل للتسويات الخاصة بالأولاد دون خلافات، وهو ما نفتقده في مجتمعنا حيث لا يتقبل بسهولة الزواج من المطلقة، ولا يتقبل ذهاب الأولاد للأب، حيث كرست عاداتنا وتقاليدنا بقاءهم مع الأم، وبل حددنا هذه المدة بثماني سنوات كأنها نص مقدس.

*معنى هذا أن المدة المذكورة ليست محددة بنص قطعي الثبوت؟

 
**هذا كان اجتهادًا من سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعمل به التابعون وعموم الفقهاء، ومع هذا تبقى قابلة للتعديل والتطوير طبقًا للمستجدات المجتمعية، ومصالح الأسرة والأبناء، وهو ما كان يقدم عليه  "الفاروق" بنفسه، وحتى يتم التوقف عن رفع الدعاوى أمام المحاكم، التي تكتظ حاليًا بمئات الآلاف من الدعاوى حول حضانة الأنباء والرؤية، وغيرها من القضايا ذات الصلة.

*حديثك عن وصول الخلافات بين الأزواج المطلقين إلى أروقة المحاكم يدفعنا للتساؤل عن المخاطر التي تواجه الكيان الأسري جراء ذلك؟

 
**التوسع في اللجوء للمحاكم، زاد الأمر تعقيدًا، وييدم دليلاً على انهيار المنظومة القيمية والأخلاقية داخل المجتمع، فيجب على الأب والأم أن يضعا مصالح أولادهما فوق كل اعتبار، ويقوما على حلها بدون اللجوء للمحاكم حتى لايزداد الأمر تعقيدًا، فاللجوء للتحاكم أمام الله وللضمير الإنساني هو الخيار الأفضل بدلاً من تعريض أبنائنا لكوارث نفسية.

أنا مثلاً، أعرف فتاة تصاب بانهيار صحي شامل عندما يقترب موعد الذهاب للمحكمة لرؤية والدها، خصوصًا أنها تعيش مع جدتها بعد وفاة والدتها، والوالد يستخدم حقه في رؤية ابنته، من أجل ابتزاز الجدة، والحصول على أموال منها بطريقة غير مشروعة، ما يؤكد ما قلته عن انهيار المنظومة القيمية، وتحويل الأبناء إلى مادة للابتزاز، على الرغم من الآثار المدمرة على صحتهم النفسية.

*برأيك، ما هي أبرز المقترحات والحلول غير التقليدية لتجاوز الأزمات التي تعصف بالأسر المصرية؟

 
**هناك منظومة متكاملة تعمل على معالجة هذه الأزمات، منها آليات قديمة كان معمولاً بها في المجتمع المصري، وأخرى مستحدثة، وعلى رأسها تفعيل نموذج شيخ الحارة، كطرف محايد بين الزوجين في المراحل الأولى من النزاع، على أن يكون من أهل الصلاح والتقوى، ورعاية مصالح المواطنين، وأن يحظى بالثقة والجدارة والأهلية ليكون قادرًا على الإصلاح وتسوية المشكلات بين الأزواج عند العودة إليه، ويكون رأيه "العرفي" محل احترام وشبه ملزم لدى القضاء، إذا تم اللجوء إليه حال تطور النزاع، مع وضع نصوص قانونية تمنع اللجوء للقضاء قبل تجاوز القضاء العرفي المتمثل في شيخ الحارة.

*ماذا عن دور المسجد هنا كعامل أساسي في ضبط استقرار الأسرة المصرية ووضع حد لمعدلات الطلاق المرتفعة داخل المجتمع؟

 
**يجب إدخال تعديل على قانون الأحوال الشخصية، بما يعيد الاعتبار لدور شيخ الحارة، وكذلك أمام الجامع الكبير في كل منطقة، على أن تساعده لجنة من أهل الاختصاص والخبرات القانونية، لمحاصرة أي نزاعات داخل الأسر، والحفاظ عليها من الانهيار، وإعادة تفعيل دور "كبير العائلة" في تسوية المشاكل التي قد تنشأ بين الأزواج، بدلاً من اللجوء للطلاق كحل سريع، حتى مع حدوث مشكلات يمكن احتواؤها، فالتعامل مع مشاكل الأسرة المصرية من قبل مؤسسات العمل الأهلي، يشكل خط الدفاع الأول لمواجهة معدلات الطلاق المرتفعة، ويضبط استقرار الأسرة المصرية، وحتى لو وقع الطلاق، فوجود هذه الأطراف يضمن وجود علاقات طبيعية بين المطلقين، وبما يجنب الأولاد تداعيات انفصالهما.

 


*لكن الفكرة قد تواجه باعتراض أحد من طرفي النزاع أو كليهما؟

 
**قلنا إن هذا الدور الذي تقوم به الأطراف الفاعلة داخل المجتمع يجب أن يكون منصوصًا عليه في تعديلات قانون الأحوال الشخصية، بحيث تلعب دورًا مؤثرا في حسم النزاع، ولا يصح الاعتراض إلا وفق مبررات مقبولة، وحجج قوية، لأننا وبدون وجود نص قانون يعطي حجية ونوعًا من الإلزام لهذه الأدوار العرفية ويحد من الاعتراض عليها، فنحن نفتح الباب لفوضى.

*هناك مقترح بتأهيل المقبلين على الزواج للحد من معدلات الطلاق بعد الزواج؟

 
**أؤيد هذا المقترح، بل وأطالب بالنص قانونيًا على عدم إتمام عقد الزواج، قبل اجتياز المقبلين على الزواج لدورات تدريبية وتثقيفية فيما يتعلق بأهليتهم لإدارة الحياة الزوجية، وسبل التعامل مع المشاكل التي قد تواجههم، وحتى يعرف كل طرف ما له من حقوق وما عليه من واجبات، أي بشكل مبسط الحصول على رخصة بالصلاحية للزواج، مشابهة لرخص العيادات والمكاتب الهندسية وقيادة السيارة.

*لكن هناك من قد يعترض على تفعيل المقترح، باعتباره عائقًا أمام إتمام الزواج، فضلاً عن المخاوف من وجود تعقيدات إدارية قد تزيد الأمر صعوبة؟

**الزوج والزوجة يخوضان أكبر تحد في حياتهما، لذا يجب توفير كل أسباب النجاح لهذه الحياة، والحد من العوامل المؤدية لانهيار الأسرة، وهذا لن يتم إلا عبر تشريع يلزمهما بالحصول على شهادة من الأزهر والأوقاف باجتياز هذه الدورات، شريطة إلا نصعب الأمر على الناس؛ فليس من المقبول أن نلزم أهل الصعيد بالحضور للقاهرة، لكن يتم تنظيم الدورات بشكل لا مركزي.

*تركزين على الشق القانوني على الرغم من رهانك على القضاء العرفي والمجتمع المدني؟

 
**الشق القانوني شديد الأهمية، مصداقًا لقول الخليفة الراشد سيدنا عثمان بن عفان "إن الله يذع بالسلطان ما لا يذع بالقرآن"، وهو ما يجعلا من الضروري تطبيق القانون بصورة رادعة، لكن وجود التشريعات التي تضمن الاستقرار الأسري لا ينفي الرهان على قيم المودة والرحمة والحلول العرفية والدينية للأزمات الأسرية كأولوية.

*في الوقت الذي تتحدثين فيه عن دور مهم للأزهر والأوقاف في ضبط الاستقرار الأسري يتحدث كثيرون عن تراجع دور المسجد على هذا الصعيد؟

 
**دور المسجد لم يتراجع، بل إن الإقبال علي ارتياد المسجد هو من تراجع، وهو ما يظهر بقوة في  انصراف الناس عن المسجد، وعدم إعطائه المكانة التي تليق به، ومن ثم فالمشكلة لا تتمثل في المسجد، أو المؤسسات الدينية ولا القائمين عليها، فأي مسجد به إمام وداعية جاهز لتقديم أي فتوى يطلبها الناس، أو إعطاء دروس دعوية، وهو مستعد  لتلبية الاحتياجات الشرعية للمواطنين لو رغبوا في ذلك، لكني دعني أتساءل: كم واحد يقبل على أداء الصلاة، والاستماع للدروس في المسجد، ولماذا يحضر أغلب المصلين للمسجد مع اقتراب خطيب الجمعة من إنهاء الخطبة، فالأزمة لا تتعلق بالمؤسسات الدينية بقدر ما تتمثل في  انصراف الناس عن ارتياد المساجد.

*الأزهر أطلق حملة "وعاشروهن بالمعروف"، فهل ترين أن مثل هذه الحملة قادرة على لعب دور في حماية الأسرة المصرية؟

 
** الأزهر يحاول بقدر المتاح له، القيام بالدور المنوط به في ضبط استقرار الأسرة المصرية، لكن المشكلة تتمثل في من  يستمع ويستجيب لجهوده، وإطلاقه لحملة "عاشروهن بالمعروف" جاء في سياق إدراكه بخطورة غياب السلام الاجتماعي داخل الأسرة، وانطلاقًا من واجباته، وليس مطالبًا هنا بإدراك النجاح التام "ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء".

ومعلوماتي أن الأزهر وخلال الأشهر الثلاثة الماضية نجح في تسوية أكثر من 600منازعة أسرية في مراحلها الأولى، ونجح في العبور بهذه الحالات إلى بر الأمن، بشكل يجعل الجميع مطالبًا بدعم هذا الدور وتقويته، والعمل على زيادة تأثيره سعيًا لإنقاذ الأسرة المصرية من الضياع.

*يمر هذه الأيام 20عامًا على إدخال تعديل على قانون الأحوال الشخصية وإقرار قانون الخلع، كيف تقيمين هذا القانون؟

**قانون الخلع أسهم في إصلاح ممارسات خاطئة، حيث كان الطلاق حقًا حصريًا للرجل، يستخدمه للضغط على المرأة وابتزازها، وكثير من النساء كانت تعزف عن طلب الطلاق، واللجوء للمحاكم، وتقبل مرغمة على تحمل حياة زوجية سيئة، لأنها لا تستطيع التخلص من هذا القيد، ومن ثم فإن الخلع يعد حقًا شرعيًا أصيلاً منح للمرأة بغض النظرة عن مدى صوابية ممارسة المرأة لهذا الحق من عدمه.

*غير أن البعض يشير إلى أن "الخلع" كان له دور سلبي داخل المجتمع، وأسهم في تكريس حالة من الفوضى فيه؟

 
** تعاطي كل إنسان مع أزماته ينبئ عن أخلاقياته وبيته، وطرق تأهيله،    فهناك شخص يتحمل، وآخر لا يستطيع، وأنا أعرف زوجات لم يلجأن للخلع، واخترن الحصول على حقوقهن بالطلاق، حتى تحصل على حقوقها الشرعية.
وأنا أرى هنا، أنه إذا تيقن زوج من رغبة زوجته في الطلاق، واستحالة العشرة معًا، فمن واجب الرجل واحترامًا لكرامته أن يطلقها، لا أن يدفعها لخيار الخلع، حتى تتنازل عن حقوقها؛ فالزوجة قد تتنازل مرغمة حتى تتخلص من هذا الزوج سيئ الخلق، والذي تتعلق الحقوق التي حرم منها زوجته برقبته يوم القيامة.

* حديثك عن وجود حقوق معلقة في رقبة الزوج يتناقض مع حديث "ردي الحديقة وطلقها تطليقة"؟

 
 **كل امرأة أقامت دعوى خلع، ليس معناه في الأغلب الأعم تنازلها عن حقها؛ فالحقوق هنا عند الله، وخاضعة لضمير كل شخص، فاستحالة العشرة بين الزوجين، لا يعني ضياع حقوق الزوجة مصداقًا لقوله تعالى: "فما استمتعت به منهن فآتوهن أجروهن"، ولحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يكرمهن إلا كريم ولا يهينهن إلا لئيم".

فما دام استمتع الرجل بالمرأة، فعليه أن يعطيها حقوقها الشرعية كاملة، لا أن يضغط عليها مصداقًا لقوله تعالى: "ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن"، ونلاحظ أن أن كل الأوامر هنا الصادرة بحق الزوجة جاءت بصيغة النهي والتحريم، فالله ينهى عن التعدي على حدوده، المتمثلة في حقوق النساء لدى الرجل، "ومن يتعدى حدود الله فقد ظلم نفسه"، ومن ثم فحقوق المرأة واجبة، فإذا  استطاع الرجل أن يهرب منها في الدنيا، فلن يستطيع الهرب منها في الآخرة

*لكن في المقابل هناك من يتهم المرأة بالوقوف وراء تزايد حالات الطلاق، بسبب صدامها مع الرجل ومناكفته طوال الوقت، بما يجعل الحياة مستحيلة بين الزوجين؟

**لابد أن ندرك أن هناك ثقافة ذكورية خاطئة، ومن ثم فلا يمكن تحميل طرف واحد مسئولية انهيار المنظومة الاجتماعية والأسرية، وأيضا نريد التأكيد على شيء مهم، لو كانت المرأة تنتمي لمثل هذه الثقافة، التي تتحدث عنها، فمن الذي يدعو الرجل لأن يطلقها، فالطلاق بيديه هو، فالمرأة رغم قناعتها بهذا الفكر ليست هي من توقع الطلاق بل الرجل، وبالتالي فهو من يتحمل مسئولية كبيرة في اتخاذ قرار الانفصال.

فالمرأة لها أن تفكر كما تشاء وتنتمي إلى منظمات كما يحلو لها، لكن دور الرجل محوري في الحفاظ على الكيان الأسري، خصوصًا إذا كان له تأثير على المرأة وقادر على احتوائها، ساعتها لن تبحث عن المساواة ولا غيرها، لكونها في ظل الحياة المستقرة التي تسودها المودة والرحمة أكثر تميزًا من الرجل.

*الأمر أكثر تعقيدًا من هذا، لاسيما أن الأرقام الرسمية تدل على أن العلاقة بين الرجل والمرأة صارت قائمة على الندية؟

**العلاقة القائمة على المساواة والندية قنبلة موقوتة تضع الأسرة بالكامل على المحك؛ فالحياة الزوجية يجب أن تقوم على المودة والرحمة لا على التطاحن والتشاحن، نحن نريد علاقة تكاملية يحتوي فيها كل طرف الآخر، ويؤدي واجباته ويحافظ على حقوق الطرف الآخر، وإذا وصلنا لهذه العلاقة التكاملية، فسيحصل كلا الطرفين على حقوقه قبل أن يطلبها، ونضمن وصول العلاقة الأسرية لبر الأمان، ونكرس قطيعة مع سياسة الجزر المنعزلة التي أوصلت العلاقة داخل الأسرة لهذا المنحى الخطير.




اضافة تعليق