عقر الخيل.. حرق السفن.. والكفن.. إبداعات النصر

الأربعاء، 07 نوفمبر 2018 12:59 م
عقر الخيل- حرق السفن- الكفن- إبداعات النصر

روت كتب السير والتاريخ، مواقف مبهرة للحظات فارقة في حياة الأبطال التي كان لها دور في بث العزيمة والشجاعة، والإصرار على تحقيق النصر، وقتل اليأس والهزيمة في النفوس، إنها لحظات لا يقدر عليها ولا يتأتاها إلا الأبطال ونوادر الرجال.

الصحابي جعفر بن أبي طالب وعقر الخيل:

في معركة مؤتة جعل النبي صلي الله علي جيش المسلمين ثلاثة من الأمراء يخلفون بعضهم (زيد بن حارثة- جعفر بن أبي طالب- عبد الله بن رواحة)، ولما وصل المسلمون إلى مؤتة، فالتقى الناس عندها، ثم اقتتلوا والراية في يد زيد بن حارثة، فلم يزل يقاتل بها حتى شاط في رماح القوم، وخر صريعا، وأخذها جعفر، فقاتل بها حتى إذا أرهقه القتال، اقتحم عن فرسه فعقرها، ثم قاتل حتى قتل، فكان جعفر أول من عقر فرسه في الإسلام عند القتال، فقطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره فقطعت يساره، فاحتضن الراية، حتى قتل وله ثلاث وثلاثون سنة، ثم أخذها عبد الله بن رواحة وتقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد، ثم نزل فأتاه ابن عم له بقطعة لحم، فقال: شد بها صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذها من يده، فأخذ منها شيئا،  ثم سمع الحطمة في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا، ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه، وتقدم فقاتل حتى قتل.

 وأخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني عجلان، فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وحاش بهم، ثم انحاز بالمسلمين وانصرف بالناس.

ومن المعروف أنه لا يجوز تعذيب الحيوان، ولكن إذا كان ذلك عونًا على قتل العدو جاز، كما عقر علي - رضي الله عنه - جمل حامل راية الكفار، وليس هذا من تعذيب الحيوان المنهي عنه.

وقد فعل سيدنا جعفر ذلك لفرط شجاعته، وأنه قطع أمل الرجعة، وأن القتال حتي الموت.

طارق بن زياد وحرق السفن:

كان فعله أيضًا قتالاً حتى الموت، ذلك أنه ما كاد يعبر بجيشه إلى الشاطىء الأندلسي، حتى أمر بإحراق السفن التي عبر عليها جيشه، وذلك لكى يدفع جنده إلى الاستبسال والموت، أو النصر المحقق، ويقطع عليهم بذلك كل تفكير في التخاذل أو الرجوع.

وقد ذكر هذه القصة الشريف الإدريسي في معجمه الجغرافي "نزهة المشتاق" عند الكلام على جغرافية الأندلس، أن طارق بن زياد أحرق سفنه بعد العبور بجيشه إلى الأندلس.

وبعد حرق السفن خطب طارق في جنوده: "أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر.. فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم، بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت".

وقد جرد طارق، الجيش الفاتح من وسائل الارتداد والرجعة إلى الشاطئ الإفريقي، أو بعبارة أخرى جرد من السفن التي حملته في عرض البحر إلى إسبانيا.

وعلى إثر الموقعة الحاسمة التي غلب فيها الجيش القوطي ومزق، ساد الرعب على القوط، فامتنعوا بالحصون والجبال، وقصدوا إلى الهضاب والسهول.

وذاعت أنباء النصر في طنجة وسبتة وما جاورهما، فعبر إلى الجيش الفاتح سيل من المجاهدين والمغامرين من العرب والبربر.

وزحف طارق بجيشه شمالاً، وكانت بقية الجيش القوطي قد اجتمعت عند لتحاول رد الجيش الفاتح، فالتقى الجيشان مرة ثانية، وهزم القوط مرة أخرى، ولم يبق إلا أن يستولى الفاتحون على المدن والقواعد الحصينة واحدة بعد الأخرى.

السلطان ألب أرسلان وحمل الكفن:

في سنة 462 هجرية، أقبل ملك الروم "أرمانوس" في جحافل أمثال الجبال من الروم، وعدد عظيم، ومعه خمسة وثلاثون ألفًا من البطارقة، مع كل بطريق مائتا ألف فارس، ومعه من الفرنج خمسة وثلاثون ألفًا، ومن الغزاة الذين يسكنون القسطنطينية خمسة عشر ألفًا، ومعه مائة ألف نقاب وحفار،  أربعمائة عجلة تحمل النعال والمسامير، وألفا عجلة تحمل السلاح والسروج والمناجيق ، ومن عزمه أن يبيد الإسلام وأهله، وقد أقطع بطارقته البلاد حتى بغداد.


فالتقاه السلطان ألب أرسلان في جيشه وهم قريب من عشرين ألفًا، بمكان يقال له "الزهوة"، وخاف السلطان من كثرة جند ملك الروم، فأشار عليه الفقيه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري بأن يكون وقت الوقعة يوم الجمعة بعد الزوال حين يكون الخطباء يدعون للمجاهدين.

فلما كان ذلك الوقت، وتواقف الفريقان وتواجه الفتيان، قام بالسلطان ولم يكن معه إلا 12 ألفًا من الجنود، وقد حمل كفنه على يده، وقال في جنود: إنه ليس سلطان لي عليكم وقد رأيتم ما أري، فمن أراد الرجوع فليرجع وأما أنا فلن أرجع، ثم نزل السلطان عن فرسه وسجد لله عز وجل، ومرغ وجهه في التراب ودعا الله واستنصره، فأنزل نصره على المسلمين، ومنحهم أكتافهم فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وأسر ملكهم "أرمانوس".

فلما أوقف بين يدي الملك ألب أرسلان ضربه بيده ثلاث مقارع، وقال: لو كنت أنا الأسير بين يديك ما كنت تفعل؟ قال: كل قبيح، قال: فما ظنك بي؟ فقال: إما أن تقتل وتشهرني في بلادك، وإما أن تعفو وتأخذ الفداء وتعيدني.

 قال: ما عزمت على غير العفو والفداء، فافتدى نفسه منه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار. فقام بين يدي الملك وسقاه شربة من ماء وقبل الأرض بين يديه، وقبل الأرض إلى جهة الخليفة إجلالاً وإكرامًا، وأطلق له الملك عشرة آلاف دينار ليتجهز بها، وأطلق معه جماعة من البطارقة، وأرسل معه جيشًا يحفظونه إلى بلاده، ومعهم راية مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلما انتهى إلى بلاده وجد الروم قد ملكوا عليهم غيره، فأرسل إلى السلطان يعتذر إليه، وبعث من الذهب والجواهر ما يقارب ثلاثمائة ألف دينار.

اضافة تعليق