بطل في معسكر العدو.. حكايات تفوق الخيال

الثلاثاء، 06 نوفمبر 2018 10:05 ص
بطل في معسكر العدو.. حكايات تفوق الخيال

اشتهر الكثير من الفرسان بالشجاعة والغزو في بلاد الروم، لكن كان هناك أشخاص، وصفوا بالشجاعة البارعة، حتى عمّت شهرتهم، وتحولت إلى ملاحم شعبية، اختلط فيها الصحيح بالسقيم، ومن هؤلاء "عبد الله أبو يحيى" المعروف بـ "البطال"، ولكن سنذكر ما روي عنه في كتب التاريخ وليس الملاحم الشعبية.


كان ينزل أنطاكية، وحينما عقد عبد الملك بن مروان لابنه "مسلمة بن عبد الملك" على غزو بلاد الروم، ولى على رؤساء أهل الجزيرة والشام "البطال"، وقال لابنه: سيره على طلائعك، وأمره فليعس بالليل العسكر، فإنه أمين ثقة مقدام شجاع، وخرج معهم عبد الملك يشيعهم إلى باب دمشق.

وقدّم مسلمة "البطال" على عشرة آلاف يكونون بين يديه ترسًا من الروم أن يصلوا إلى جيش المسلمين.

وروي شيخ من أهل أنطاكية، قال: كنت أغازى مع البطال وقد أوطأ الروم ذلاً، قال البطال فسألني بعض ولاة بني أمية عن أعجب ما كان من أمرى في مغازي فيهم، فقلت له:

خرجت في سرية ليلاً، فدفعنا إلى قرية، فقلت لأصحابي: أرخوا لجم خيلكم ولا تحركوا أحدًا بقتل ولا بشيء، حتى تستمكنوا من القرية ومن سكانها، ففعلوا وافترقوا في أزقتها، فدفعت في أناس من أصحابي إلى بيت يزهر سراجه، وإذا امرأة تسكت ابنها من بكائه، وهي تقول له: لتسكتن أو لأدفعنك إلى البطال يذهب بك، وانتشلته من سريره وقالت: خذه يا بطال، قال: فأخذته.

وروي عن البطال أيضًا، قال: انفردت مرة ليس معي أحد من الجند، ومعي مخلاة فيها شعير، ومنديل فيه خبز وشواء، فبينما أسير لعلي ألقى أحدًا منفردًا، أو أطلع على خبر، إذا أنا ببستان فيه بقول حسنة، فنزلت وأكلت من ذلك البقل بالخبز والشواء مع النقل، فأخذني إسهال عظيم قمت منه مرارًا، فخفت أن أضعف من كثرة الإسهال، فركبت فرسي والإسهال مستمر على حاله، وجعلت أخشى إن أنا نزلت عن فرسي أن أضعف عن الركوب، وأفرط بى الإسهال في السير حتى خشيت أن أسقط من الضعف، فأخذت بعنان الفرس ونمت على وجهي لا أدري أين يسير الفرس بي، فلم أشعر إلا بقرع نعاله على بلاط، فأرفع رأسي فإذا دير به نسوة.

قال: وخرج منه نسوة صحبة امرأة حسناء جميلة جدًا، فجعلت تقول بلسانها: أنزلنه، فأنزلنني فغسلن عني ثيابي وسرجي وفرسي، ووضعنني على سرير وعملن لي طعامًا وشرابًا، فمكثت يومًا وليلة مستويًا، ثم أقمت بقية ثلاثة أيام حتى ترد إلى حالي، فبينما أنا كذلك إذ أقبل البطريق – فارس عظيم من الروم- وهو يريد أن يتزوجها، فأمرت بفرسي فحول وعلق علي الباب الذي أنا فيه، وإذا هو بطريق كبير فيهم، وهو إنما جاء لخطبتها، فأخبره من كان هنالك بأن هذا البيت فيه رجل وله فرس، فهم بالهجوم علي فمنعته المرأة من ذلك، وأرسلت تقول له: إن فتح عليه الباب لم أقض حاجته، فثناه ذلك عن الهجوم علي.

 وأقام البطريق إلى آخر النهار في ضيافتهم، ثم ركب فرسه وركب معه أصحابه وانطلق.

قال البطال: فنهضت في أثرهم، فهمت أن تمنعني خوفًا علي منهم فلم أقبل، وسقت حتى لحقتهم، فحملت عليه فانفرج عنه أصحابه، وأراد الفرار، فلحقته وضربت عنقه واستلبته، وأخذت رأسه مسمطًا على فرسي، ورجعت إلى الدير، فخرجن إلي ووقفن بين يدي، فقلت: اركبن، فركبن ما هنالك من الدواب وسقت بهن حتى أتيت أمير الجيش فدفعتهن إليه، فنفلني ما شئت منهن، فأخذت تلك المرأة الحسناء بعينها، فهي أم أولادي.

والبطريق في لغة الروم عبارة عن الأمير الكبير فيهم، وكان أبوها بطريقًا كبيرًا فيهم- يعنى تلك المرأة- وكان البطال بعد ذلك يكاتب أباها ويهاديه.

وقد حج البطال، وكان قد شغل بالجهاد عن الحج، وكان يسأل الله دائمًا الحج ثم الشهادة، فلم يتمكن من حجة الإسلام إلا في السنة التي استشهد فيها رحمه الله تعالى.

وكان سبب شهادته أن ليون ملك الروم خرج من القسطنطينية في مائة ألف فارس، فبعث البطريق- الذي البطال متزوج بابنته التي ذكرنا أمرها- إلى زوج ابنته يخبره بذلك، فأخبر البطال أمير عساكر المسلمين بذلك، وكان الأمير مالك بن شبيب، وقال له: المصلحة تقتضي أن نتحصن في مدينة حران، فنكون بها حتى يقدم علينا سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، فأبى عليه ذلك ودهمهم الجيش، فاقتتلوا قتالاً شديدًا، والأبطال تحوم بين يدي البطال ولا يتجاسر أحد أن ينوه باسمه خوفًا عليه من الروم.

فاتفق أن ناداه بعضهم، وذكر اسمه غلطًا منه، فلما سمع ذلك فرسان الروم حملوا عليه حملة واحدة، فاقتلعوه من سرجه برماحهم فألقوه إلى الأرض، ورأى الناس يقتلون ويأسرون، وقتل الأمير الكبير مالك بن شبيب، وانكسر المسلمون وانطلقوا إلى تلك المدينة الخراب فتحصنوا فيها، وأصبح ليون فوقف على مكان المعركة، فإذا البطال بآخر رمق.

فقال له ليون: ما هذا يا أبا يحيى؟ فقال: هكذا تقتل الأبطال، فاستدعى ليون بالأطباء ليداووه، فإذا جراحة قد وصلت إلى مقاتله، فقال له ليون: هل من حاجة يا أبا يحيى؟ قال: نعم، فأمر من معك من المسلمين أن يتولوا غسلي والصلاة علي ودفني، ففعل الملك ذلك وأطلق لأجل ذلك أولئك الأسارى، وانطلق ليون إلى جيش المسلمين الذين تحصنوا فحاصرهم، فبينما هم في تلك الشدة والحصار إذ جاءتهم البرد بقدوم سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، ففر ليون في جيشه الخبيث هاربًا راجعًا إلى بلاده.

اضافة تعليق