"أبو مسلم الخراساني".. قاتل المليون.. هذه نهايته

الإثنين، 05 نوفمبر 2018 11:03 ص
قاتل المليون .. كانت هذه نهايته

عند زوال دولة بني أمية وقيام دولة بني العباس، أسرف أبو مسلم الخراساني في القتل، حتى قيل إنه منذ انطلاقه من خراسان، حتى وصل العراق، قتل ألف ألف (مليون) شخص، حتى دانت له العباد، وذلّت له الرقاب، فمن هو: "أبو مسلم الخراساني"؟

أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم، وقيل عثمان، الخراساني القائم بالدعوة العباسية، وقيل هو إبراهيم بن عثمان بن يسار بن شذوس بن البختكان الفارسي، قال له إبراهيم الإمام ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب: "غير اسمك فما يتم لنا الأمر حتى تغير اسمك، فسمى نفسه عبد الرحمن".

وكان أبوه من قرية تسمى سنجرد، وكانت هذه القرية له مع عدة قرى، وكان بعض الأحيان يجلب إلى الكوفة مواشي، ثم إنه في أمور تجارة، فلحقه عجز، وأنفذ عامل البلد إليه من يشخصه إلى الديوان، وكان له جارية اسمها وشيكة جلبها من الكوفة، فأخذ الجارية معه وهي حامل، ومضى إلى أذربيجان.

ووضعت الجارية أبا مسلم، فلما ترعرع اختلف مع ولده إلى المكتب، فخرج أديبًا لبيبًا يشار إليه في صغره.

وكان قد قدم الكوفة جماعة من نقباء الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، مع عدة من الشيعة الخرسانية، فصادفوا أبا مسلم عندهم، فأعجبهم عقله ومعرفته وكلامه وأدبه، ومال هو إليهم ثم عرف أمرهم وأنهم دعاة.
ولما عاد النقباء إلى إبراهيم الإمام وسألوه رجلاً يقوم بأمر خراسان، أشاروا عليه بأبي مسلم، فدعاه وقلده الأمر وأرسله إلى خراسان، وكان من أمره ما كان.

وكان إبراهيم الإمام قد أرسل إلى أهل خراسان سليمان بن كثير الحراني يدعوهم إلى أهل البيت، فلما بعث أبا مسلم أمر من هناك بالسمع والطاعة له، وأمره أن لا يخالف سليمان بن كثير، فكان أبو مسلم يختلف ما بين إبراهيم وسليمان.
وكان أبو مسلم يدعو الناس إلى رجل من بني هاشم، وأقام على ذلك سنين وفعل في خراسان وتلك البلاد ما هو مشهور.

صفاته:

وقد كان رجلا قصيرًا أسمر جميلاً نقي البشرة أحور العين عريض الجبهة حسن اللحية وافرها، طويل الشعرة، طويل الظهر، قصير الساق والفخذ خافض الصوت، فصيحًا بالعربية والفارسية حلو المنطق راوية للشعر عالمًا بالأمور، لم ير ضاحكًا ولا مازحًا إلا في وقته ولا يكاد يقطب في شيء من أحواله، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر السرور، وتنزل به الحوادث الفادحة  فلا يرى مكتئبًا، وإذا غضب لم يستفزه الغضب.

 وكان لا يأتي النساء في السنة إلا مرة واحدة، ويقول: الجماع جنون ويكفي الإنسان أن يجن في السنة مرة، وكان من أِشد الناس غيرةً لا يدخل قصره غيره، وكان في القصر فتحات يطرح لنسائه منها ما يحتجن إليه، قالوا: وليلة زفت إليه امرأته أمر بالبرذون الذي ركبته فذبح وأحرق سرجه، لئلا يركبه ذكر بعدها.
وكان الخليفة المأمون يقول وقد ذكر أبو مسلم عنده: أجل ملوك الأرض ثلاثة، وهم اللذين قاموا بثقل الدول: الاسكندر وأردشير وأبو مسلم الخراساني.

وقال له ابن شبرمة: "أصلح الله الأمير، من أشجع الناس قال: كل قوم في إقبال دولتهم".

وكان أقل الناس طمعًا، وأكثرهم طعامًا، ولما حج نادى في الناس: برئت الذمة ممن أوقد نارًا، فكفى العسكر ومن معه أمر طعامهم وشرابهم في ذهابهم وإيابهم ومنصرفهم، وهربت الأعراب، فلم يبق في المناهل منهم أحد لما كانوا يسمعونه من سفكه الدماء: قتل في دولته ستمائة ألف صبرٍا، فقيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم خير أو الحجاج قال: لا أقول إن أبا مسلم خيرًا من أحد، ولكن الحجاج كان شرًا منه.

وقيل له: بم بلغت ما بلغت، فقال: ما أخرت أمر يومي إلى غد قط. وقد نهض للدعوة لبني العباس، وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.

 وكانت ولادته في سنة مائة للهجرة، والخليفة يومئذ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.

مقتله:
ولما مات السفاح في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة بعلة الجدري، وكانت وفاته بالأنبار، وتولى الخلافة أخوه أبو جعفر المنصور - وهو بمكة-  صدرت من أبي مسلم أسباب وقضايا غيرت قلب المنصور عليه، فعزم على قتله، وبقي حائرًا بين الاستبداد برأيه في أمره أو الاستشارة، فقال يومًا لسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي: ما ترى في أمر أبي مسلم قال: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا"، فقال: حسبك يا ابن قتيبة، لقد أودعتها أذنًا واعية.

وكان أبو مسلم قد حج، فلما عاد نزل الحيرة التي عند الكوفة وكان بها نصراني عمره مائتا سنة يخبر عن الكوائن، فأحضره وسمع كلامه، وكان في جملته أنه يقتل، وقال له: إن صرت إلى خراسان سلمت، فعزم على الرجوع إليه .

فلم يزل المنصور يخدعه بالرسائل حتى أحضره إليه، فلما دخل على المنصور رحب به ثم أمره بالانصراف إلى مخيمه، وانتظر المنصور فيه الفرص والغوائل، ثم إن أبا مسلم ركب إليه مرارًا فأظهر له التجني، ثم جاءه يوماً فقيل له: إنه يتوضأ للصلاة، فقعد تحت الرواق، ورتب المنصور له جماعة يقفون وراء السرير الذي خلف أبي مسلم، فإذا عاتبه لا يظهرون فإذا ضرب يدًا على يد ظهروا وضربوا عنقه؛ ثم جلس المنصور ودخل عليه أبومسلم، فسلم فرد عليه وأذن له في الجلوس وحادثه ثم عاتبه.

 وقال: فعلت وفعلت، فقال أبو مسلم: ما يقال هذا لي بعد سعيي واجتهادي وما كان مني، فقال له: يا ابن الخبيثة إنما فعلت ذلك بجدنا وحظنا، ولو كان مكانك أمة سوداء لعملت عملك، ألست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك قبلي ألست الكاتب تخطب عمتي "آسيا"، لقد ارتقيت لا أم لك مرتقىً صعبًا.
 فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه، فقال له المنصور وهو آخر كلامه: قتلني الله إن لم أقتلك، ثم صفق بإحدى يديه على الأخرى، فخرج إليه القوم وخبطوه بسيوفهم، والمنصور يصيح: اضربوا قطع الله أيديكم، وكان أبومسلم قد قال عند أول ضربة: استبقني يا أمير المؤمنين لعدوك، قال: لا أبقاني الله أبدًا إذًا، وأي عدو أعدى منك.

وكان قتله في سنة سبع وثلاثين ومائة، وكان قتله برومية المدائن، وهي بلدة بالقرب من بغداد على دجلة بالجانب الغربي معدودة من مدائن كسرى.

 ولما قتله أدرجه في بساط فدخل عليه جعفر بن حنظلة فقال له المنصور: ما تقول في أمر أبي مسلم فقال: يا أمير المؤمنين، إن كنت أخذت من رأسه شعرة فاقتل ثم اقتل ثم اقتل، فقال المنصور: وفقك الله، هاهو في البساط، فلما نظر إليه قتيلاً قال: يا أمير المؤمنين عد هذا اليوم أول خلافتك، فأنشد المنصور:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى .. كما قر عيناً بالإياب المسافر

اضافة تعليق