"ابن كثير" يقف في وجه السلطان حماية للمسيحيين

الأحد، 04 نوفمبر 2018 01:58 م
the_myth_of_palestine700


العلماء هم ورثة الأنبياء، ومقامهم الحق ألا يتركوا مظلومًا، مهما كانت ديانته، لأن الله حرم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرمًا، ومن أجمل الأمثلة في ذلك ما قام به العالم الكبير، الحافظ ابن كثير في وجه نائب السلطان بدمشق.


يقول ابن كثير: في العشر الأخير من شهر الله المحرم قبض على الفرنجة بمدينة دمشق وأودعوا في الحبوس في القلعة المنصورة، واشتهر أن سبب ذلك أن مدينة الإسكندرية محاصرة، وذكر أن صاحب قبرص معهم، وأن الجيش المصري صمدوا إلى حراسة مدينة الإسكندرية، والتي حاصرها أمير من التتار، مستعينًا بطائفة من الفرنج ففتحوها قهرًا، وقتلوا من أهلها خلقًا وغنموا شيئًا كثيرًا.

ووردت الأخبار بما وقع من الأمر الفظيع بمدينة الإسكندرية من الفرنج، وذلك أنهم وصلوا، لم يجدوا بها نائبًا ولا جيشًا، ولا حافظًا للبحر ولا ناصرًا، فدخلوها يوم الجمعة بكرة النهار، بعد ما حرقوا أبوابًا كبيرة منها، وعاثوا في أهلها فسادًا، يقتلون الرجال ويأخذون الأموال ويأسرون النساء والأطفال.

وأقاموا بها يوم الجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء، فلما كان صبيحة يوم الأربعاء، وقد أسروا خلقًا كثيرًا يصل إلى الأربعة آلاف، وأخذوا من الأموال ذهبًا وحريرًا وبهارًا وغير ذلك ما لا يحد ولا يوصف.

بقول ابن كثير: وقدم السلطان والأمير الكبير "يلبغا" ظهر يومئذ، وقد تفارط الحال، وتحولت الغنائم كلها إلى الشوائن بالبحر، فسمع للأسارى من العويل والبكاء والشكوى والتضرع إلى الله والاستغاثة به وبالمسلمين، ما قطع الأكباد، وذرفت له العيون وأصم الأسماع.

ولما بلغت الأخبار إلى أهل دمشق شق عليهم ذلك جدًا، وذكر ذلك الخطيب يوم الجمعة على المنبر يتباكى الناس كثيراً، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وجاء المرسوم الشريف من الديار المصرية إلى نائب السلطنة بمسك النصارى من الشام جملة واحدة، وأن يأخذ منهم ربع أموالهم لعمارة ما خرب من الإسكندرية، ولعمارة مراكب تغزو الفرنج، فأهانوا النصارى وطلبوا من بيوتهم بعنف وخافوا أن يقتلوا، ولم يفهموا ما يراد بهم، فهربوا كل مهرب.

ويستطرد ابن كثير قائلاً : ولم تكن هذه الحركة شرعية، ولا يجوز اعتمادها شرعاً، وقد طلبت يوم السبت السادس عشر من صفر إلى الميدان الأخضر للاجتماع بنائب السلطنة، وكان اجتماعنا بعد العصر يومئذ بعد الفراغ من لعب الكرة، فرأيت منه أنسًا كثيرًا، ورأيته كامل الرأي والفهم، حسن العبارة كريم المجالسة، فذكرت له أن هذا لا يجوز اعتماده في النصارى.

 فقال إن بعض فقهاء مصر أفتى للأمير الكبير بذلك، فقلت له: هذا مما لا يسوغ شرعًا، ولا يجوز لأحد أن يفتي بهذا، ومتى كانوا ملتزمين بأحكام الملة قائمة، لا يجوز أن يؤخذ منهم الدرهم الواحد، فوق ما يبذلونه من الجزية، ومثل هذا لا يخفى على الأمير.

 فقال: كيف أصنع وقد ورد المرسوم بذلك ولا يمكنني أن أخالفه؟ فذكرت له أشياء كثيرة مما ينبغي اعتماده في حق أهل قبرص من الإرهاب ووعيد العقاب، وأنه يجوز ذلك وإن لم يفعل ما يتوعدهم به، كما قال سليمان بن داود عليهما السلام: «ائتوني بالسكين أشقه نصفين»، ليتوصل إلي حقيقة "الأم"، حيث اختصمت إليه امرأتان، كل واحدة تدعي أنها الأم، ففعل ذلك ليتوصل إلي الأم الحقيقة، التي رفضت شقه نصفين.

يقول ابن كثير: فقال لي «إن هذا كان في قلبه وأني كاشفته بهذا»، وأنه كتب به مطالعة إلى الديار المصرية، وسيأتي جوابها بعد عشرة أيام، فتجيء حتى تقف على الجواب، وظهر منه إحسان وقبول وإكرام زائد رحمه الله.

ثم اجتمعت به في دار السعادة في أوائل شهر ربيع الأول فبشرني أنه قد رسم بعمل المراكب لغزو الفرنج ولله الحمد والمنة.

اضافة تعليق