النبي مفاوضًا.. تعرف على عبقريته السياسية

الأحد، 04 نوفمبر 2018 01:41 م
مهارة التفاوض..الشكل أم المضمون..دروس حية من السيرة

مؤكد أنك سمعت عن المفاوضات السياسية، وطبيعة الضغوط، أثناء التفاوض، لكن هل سمعت عن عبقرية الرسول صلى الله عليه وسلم في إدارة أخطر المفاوضات، وكيف كان كان ضبط الأعصاب، والسيوف بيد الصحابة في صلح الحديبية، وكيف كانت نفوسهم وهم في طريق العمرة، ولم يقضوها في هذا العام، ورجعوا بعد مفاوضات طويلة، كشفت عن عمق الفهم لدى الرسول الكريم، ومعرفته بالأحوال والزمان والمكان.


بداية المفاوضات:


جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت.

 

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نجئ لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جمّوا، وإن هم أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره".


قال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وقد سمعته يقول قولا، فإن شئتم عرضته عليكم، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا وكذا،  فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

عروة بن مسعود والهزيمة النفسية:


قال عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته، فقالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلمه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوًا من قوله لبديل.


فقال له عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأرى أوشابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك.

فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه،  قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك.

وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، وكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فرفع عروة رأسه وقال: من ذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر، أولست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء".

ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينيه، فوالله ما تنخم النبي وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدّلك بها جلده ووجهه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له.

 فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك على كسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.

عبقرية أخرى في التفاوض:


فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته،  فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له،  فبعثوها له، واستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت"، فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت وما أرى أن يصدوا عن البيت.


فقام مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا مكرز بن حفص، وهو رجل فاجر" فجعل يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد سهل لكم من أمركم".
نهاية التفاوض..الشكل أم المضمون؟

فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا الكاتب فقال: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ". فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما ندري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتب باسمك اللهم ".
ثم قال: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله"، فقال سهيل: فوالله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله،  فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني رسول الله، وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله".

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به، فقال سهيل والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل فكتب.

فقال سهيل: على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما.

وانتهت المفاوضات، واصاب المسلمون غمًا كبيرًا، لرجوعهم ولم يقضوا عمرتهم، فأنزل الله علي نبيه في طريق عودته "إنا فتحنا لك فتحًا مبيًنا"، فكان صلح الحديبية فتحًا مبينًا، أمن الناس بعضهم بعضًا، واعترف بقوة الرسول صلي الله عليه وسلم ودولته في المدينة، وازدادت هيبتهم في جزيرة العرب.

اضافة تعليق