أقباط مصر.. كيف انتصر الإسلام لحقوقهم وبما أوصى النبي لهم؟

الأحد، 04 نوفمبر 2018 12:29 م
BROZmP_CEAEDEr4.jpg large



"أما أقباط مصر فلهم ذمة ورحمًا"، هكذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم، المسلمين بأقباط مصر، في وصية خاصة، يعيها عقل كل مسلم ويضعها في السويداء من قلبه.


فروت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى عند وفاته فقال: "الله الله في قبط مصر، فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدة وأعوانًا في سبيل الله".


وفي حديث آخر، قال: "فاستوصوا بهم خيرًا، فإنهم قوة لكم، وبلاغ إلى عدوكم بإذن الله" يعني قبط مصر".


وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم ستفتحون أرضًا يُذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا".


وفي رواية: "إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط (القيراط: جزء من أجزاء الدرهم والدينار وغيرهما، وكان أهل مصر يكثرون من استعماله والتكلم به، بل هم لا يزالون كذلك بالنسبة للمساحة والصاغة وغيرها، وكل شيء قابل لأن يقسم إلى 24 قيراطًا)، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحمًا".


ولأهل الذمة في أي قطر إسلامي، العهد والضمان والأمان، وإنما سموا بذلك؛ لأن لهم عهد الله وعهد الرسول، وعهد جماعة المسلمين: أن يعيشوا في حماية الإسلام، وفي كنف المجتمع الإسلامي آمنين مطمئنين، فهم في أمان المسلمين وضمانهم، بناء على "عقد الذمة" بينهم وبين أهل الإسلام .

وقد نص العقد الذي ألزم به الله سبحانه وتعالى المسلمين لصيانة حقوق أهل الذمة على عدة حقوق أهمها:


المساواة

فلأهل الذمة من الحقوق مثل ما للمسلمين، كما أن عليهم ما على المسلمين من الواجبات، وهو ما يتجلى في صورة الوطنية الحديثة التي يتكلم عنها الدساتي الحديثة، وسبقهم بها الإسلام قبل 1400 سنة.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقًا أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة".


ويروى عنه: "من آذى ذِمِّيًا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة".


وعنه أيضًا: "من آذى ذميًا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله".


وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال عن أهل نجران إنه "لا يؤخذ منهم رجل بظلمِ آخر".

وكان عمر رضي الله عنه يسأل الوافدين عليه من الأقاليم عن حال أهل الذمة، خشية أن يكون أحد من المسلمين قد أفضى إليهم بأذى، فيقولون له: " ما نعلم إلا وفاءً".


حماية المال والعرض والنفس

أجمع فقهاء الإسلام على أن قتل الذمي كبيرة من كبائر المحرمات لهذا الوعيد في الحديث.

وما روي أن عليًّا أُتي برجل من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة، فقامت عليه البيِّنة، فأمر بقتله، فجاء أخوه فقال: إني قد عفوت، قال: فلعلهم هددوك وفرقوك، قال: لا، ولكن قتله لا يرد علَيَّ أخي، وعوَّضوا لي ورضيتُ . قال: أنت أعلم؛ من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا.

وقد صح عن عمر بن عبد العزيز: أنه كتب إلى بعض أمرائه في مسلم قتل ذميًّا، فأمره أن يدفعه إلى وليه، فإن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه، فدُفِعَ إليه فضرب عنقه.



حرية العقيدة

 يقول الله سبحانه وتعالى: "لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي"، (البقرة: 256) وقوله سبحانه: "أفأنت تُكرِه الناس حتى يكونوا مؤمنين"؟ (يونس: 99).

وسبب نزول الآية كما ذكر المفسرون يبين جانبًا من إعجاز هذا الدين، فقد رووا عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاة -قليلة النسل- فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهَوِّدَه (كان يفعل ذلك نساء الأنصار في الجاهلية) فلما أُجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقال آباؤهم: لا ندع أبناءنا (يعنون: لا ندعهم يعتنقون اليهودية) فأنزل الله عز وجل هذه الآية: (لا إكراه في الدين).

وفي عهد عمر بن الخطاب عهد إلى أهل إيلياء (القدس) بالنص على حُريتهم الدينية، وحرمة معابدهم وشعائرهم: "هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ملَّتها، لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صليبها، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم. ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود".

وحين فتح خالد بن الوليد دمشق كتب لأهلها: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها أمانًا على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يهدم، ولا يسكن شيء من دورهم، لهم بذلك عهد الله وذمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء والمؤمنين".
وتضمن كتابه - رضي الله عنه - لأهل عانات عدم التعرض لهم في ممارسة شعائرهم وإظهارها: "ولهم أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار، إلا في أوقات الصلاة، وأن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم".


حق تولي وظائف الدولة

يجوز لأهل الذمة الحق في تولى وظائف الدولة كالمسلمين، إلا ما غلب عليه الصبغة الدينية، إذا تحققت فيهم الشروط التي لا بد منها من الكفاية والأمانة والإخلاص للدولة.


وقد تولى الوزارة في زمن العباسيين بعض النصارى أكثر من مرة، منهم نصر بن هارون سنة 369 هـ، وعيسى بن نسطورس سنة 380هـ، وقبل ذلك كان لمعاوية بن أبي سفيان كاتب نصراني اسمه سرجون.


وقال المؤرخ الغربي آدم ميتز في كتابه "الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري" (الجزء الأول ص105): "من الأمور التي نعجب لها كثرة عدد العمال (الولاة وكبار الموظفين) والمتصرفين غير المسلمين في الدولة الإسلامية، فكأن النصارى هم الذين يحكمون المسلمين في بلاد الإسلام والشكوى من تحكيم أهل الذمة في أبشار المسلمين شكوى قديمة".


اضافة تعليق