لماذا اشترى هذا الحاكم "نعلا مزورًا" للرسول؟

السبت، 03 نوفمبر 2018 11:59 ص
لماذا اشتري هذا الحاكم  نعلا مزورا  للرسول؟


تميز كثير من الحكام بالكياسة، ومعرفة أحوال العامة والرعية، وكيف كان يفهمون خبايا نفوسهم، ويتباسطون معهم، بدون تكلفة، ومن هؤلاء المهدي محمد بن عبد الله أبي جعفر المنصور، الذي اشتهرت عنه محاسن كثيرة، ومواقف عجيبة.


ولقب بالمهدي، رجاء أن يكون الموعود به في الأحاديث فلم يكن به، وإن اشتركا في الاسم فقد افترقا في الفعل، ذاك يأتى في آخر الزمان عند فساد الدنيا فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا وظلمًا.

 وكان مولد المهدي في سنة ست أو سبع وعشرين ومائة من الهجرة،  ولى الخلافة بعد موت أبيه أبي جعفر المنصور، وعمره إذ ذاك ثلاث وثلاثون سنة.
صفاته:

كان أسمر طويلاً جعد الشعر، على إحدى عينيه نكتة بيضاء، قال الربيع بن يونس الحاجب: رأيت المهدي يصلي في ليلة مقمرة في بهو له عليه ثياب حسنة، فما أدري هو أحسن أم القمر، أم بهوه، أم ثيابه.

وقال المهدي يومًا في خطبة: أيها الناس أسروا مثلما تعلنون من طاعتنا تهنكم العافية، وتحمدوا العاقبة، واخفضوا جناح الطاعة لمن ينشر معدلته فيكم، ويطوى ثوب الإصر عنكم، وأهال عليكم السلامة ولين المعيشة من حيث أراه الله، مقدما ذلك على فعل من تقدمه، والله لأعفين عمري من عقوبتكم، ولأحملن نفسي على الإحسان إليكم. قال: فأشرقت وجوه الناس من حسن كلامه.

واستخرج حواصل أبيه من الذهب والفضة التي كانت لا تحد ولا توصف كثرة، ففرقها في الناس، ولم يعط أهله ومواليه منها شيئًا، بل أجرى لهم أرزاقًا بحسب كفايتهم من بيت المال، لكل واحد خمسمائة في الشهر غير الأعطيات، وقد كان أبوه حريصًا على توفير بيت المال.

وذكروا أنه عندما اجت ريح شديدة، دخل المهدي بيتا في داره فألزق خده بالتراب، وقال: اللهم إن كنت أنا المطلوب بهذه العقوبة دون الناس، فها أنا ذا بين يديك، اللهم لا تشمت بي الأعداء من أهل الأديان، فلم يزل كذلك حتى انجلت.

نوادره وقصة النعل المزور:


ودخل عليه رجل يومًا ومعه نعل، فقال: هذه نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهديتها لك.


 فقال: هاتها، فناوله إياها، فقبلها ووضعها على عينيه وأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما انصرف الرجل قال المهدي: والله إني لأعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير هذه النعل، فضلاً عن أن يلبسها، ولكن لو رددته لذهب يقول للناس: أهديت إليه نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها علي، فتصدقه الناس، لأن العامة تميل إلى أمثالها، ومن شأنهم نصر الضعيف على القوي وإن كان ظالمًا، فاشترينا لسانه بعشرة آلاف درهم، ورأينا هذا أرجح وأصلح.

وقدم المهدي مرة البصرة فخرج ليصلي بالناس فجاء أعرابي، فقال: يا أمير المؤمنين مر هؤلاء فلينتظروني حتى أتوضأ- يعنى المؤذنين- فأمرهم بانتظاره، ووقف المهدي في المحراب لم يكبر حتى قيل له هذا لأعرابى قد جاء، فكبر، فتعجب الناس من سماحة أخلاقه.

 وقدم أعرابي ومعه كتاب مختوم فجعل يقول: هذا كتاب أمير المؤمنين إلى، أين الرجل الذي يقال له الربيع الحاجب؟ فأخذ الكتاب وجاء به إلى الخليفة وأوقف الأعرابي، وفتح الكتاب فإذا هو قطعة أديم فيها كتابة ضعيفة.

والأعرابي يزعم أن هذا خط الخليفة، فتبسم المهدي وقال: صدق الأعرابي، هذا خطي، إني خرجت يومًا إلى الصيد فضعت عن الجيش، وأقبل الليل فتعوذت بتعويذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع لي نار من بعيد فقصدتها، فإذا هذا الشيخ وامرأته في خباء يوقدان نارًا، فسلمت عليها فردا السلام وفرش لي كساء وسقاني مذقة من لبن مشوب بماء، فما شربت شيئًا إلا وهي أطيب منه، ونمت نومة على تلك العباءة ما أذكر أني نمت أحلى منها.

فقام إلى شويهة له فذبحها فسمعت امرأته تقول له: عمدت إلى مكسبك ومعيشة أولادك فذبحتها، هلكت نفسك وعيالك. فما التفت إليها،

واستيقظت فاشتويت من لحم تلك الشويهة وقلت له: أعندك شيء أكتب لك في كتابا؟ فأتانى بهذه القطعة فكتبت له بعود من ذلك الرماد خمسمائة ألف، وإنما أردت خمسين ألفا، والله لأنفذنها له كلها ولو لم يكن في بيت المال سواها، فأمر له بخمسمائة ألف فقبضها الأعرابي، واستمر مقيمًا في ذلك الموضع في طريق الحاج من ناحية الأنبار، فجعل يقرى الضيف ومن مر به من الناس، فعرف منزله بمنزل مضيف أمير المؤمنين المهدي.
واشتهر عنه أنه كان يحب اللعب بالحمام والسباق بينها، فدخل عليه جماعة من المحدثين فيهم عتاب بن إبراهيم فحدثه بحديث أبي هريرة: «لا سبق إلا في خف أو نعل أو حافر»، وزاد في الحديث «أو جناح» فأمر له بعشرة آلاف.

ولما خرج قال: والله إني لأعلم أن عتابًا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أمر بالحمام فذبح ولم يذكر عتابًا بعدها.

وقال الواقدي: دخلت على المهدي يومًا، فحدثته بأحاديث فكتبها عني ثم قام فدخل بيوت نسائه، ثم خرج وهو ممتلئ غيظًا فقلت: مالك يا أمير المؤمنين؟ فقال: دخلت على الخيزران فقامت إلي ومزقت ثوبي، وقالت: ما رأيت منك خيرًا، وإني والله يا واقدي إنما اشتريتها من نخاس، وقد نالت عندي ما نالت، وقد بايعت لولديها بإمرة المؤمنين من بعدي.

فقلت: يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنهن يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام»، وقال: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله، وقد خلقت المرأة من ضلع أعوج إن قومته كسرته» .

وحدثته في هذا الباب بكلام حضرني، فأمر لي بألفي دينار، فلما وافيت المنزل إذا رسول الخيزران قد لحقني بألفي دينار إلى عشرة دنانير، وإذا معه أثواب أخرى، وبعثت تشكرني وتثني علي معروفًا.

موته:


اختلف في سبب موته، فقيل إنه ساق خلف ظبي والكلاب بين يديه فدخل الظبي إلى خربة فدخلت الكلاب وراءه، وجاء الفرس فحمل بمشواره فدخل الخربة فكسر ظهره، وكانت وفاته بسبب ذلك.

وقيل: إن بعض حظاياه بعثت إلى أخرى لبنًا مسمومًا، فمر الرسول بالمهدي فأكل منه فمات، وقيل بل بعثت إليها بصينية فيها الكمثرى وفي أعلاها واحدة كبيرة مسمومة، وكان المهدي يعجبه الكمثرى، فمرت به الجارية ومعها تلك الصينية، فأخذ التي في أعلاها فأكلها فمات من ساعته، فجعلت الحظية تندبه وتقول: وأمير المؤمنيناه، أردت أن يكون لي وحدي فقتلته بيدي.
وكانت وفاته في المحرم في سنة تسع وستين ومائة، وله من العمر ثلاث وأربعون سنة.

اضافة تعليق