"هارون الرشيد"..الخليفة المترف.. لن تصدق أن هذه عبادته

الجمعة، 02 نوفمبر 2018 11:20 ص
«هارون الرشيد»..الخليفة المترف.. لن تصدق أن هذه عبادته


اشتهر عن الخليفة العباسي "هارون الرشيد" بأنه كان في غاية الترف، وعصره، هو عصر الجواري والترف، حيث صار رمزًا للترف في الموروث الثقافي، لكن كانت هناك أبعاد وجوانب أخرى في حياته، لم يلتفت إليها الكثير، ولم يهمهم من حياته إلا اللهو والهزل دون العزم والجد.

هارون الرشيد أمير المؤمنين:

ابن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، القرشي الهاشمي.


أمه الخيزران أم ولد، كان مولده في شوال سنة ست وأربعين ومائة، وقيل إنه ولد سنة خمسين ومائة، وبويع له بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادي في ربيع الأول سنة سبعين ومائة، بعهد من أبيه المهدي.

وكان الرشيد أبيض طويلاً سمينًا جميلاً، وقد غزا الصائفة في حياة أبيه مرارًا، وعقد الهدنة بين المسلمين والروم بعد محاصرته القسطنطينية، وقد لقي المسلمون من ذلك جهدًا جهيدًا وخوفًا شديدًا، وكان الصلح مع امرأة ليون، وهي الملقبة بــ "أغسطة" على حمل كثير تبذله للمسلمين في كل عام.

ففرح المسلمون بذلك، وكان هذا هو الذي حدا أباه على البيعة له بعد أخيه في سنة ست وستين ومائة، ثم لما أفضت إليه الخلافة في سنة سبعين كان من أحسن الناس سيرة وأكثرهم غزوًا وحجًا.

مناقبه:


كان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم، وإذا حج أحج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم وإذا لم يحج أحجّ ثلاثمائة بالنفقة السابغة والكسوة التامة.


وكان يحب التشبه بجده أبي جعفر المنصور إلا في العطاء، فإنه كان سريع العطاء جزيله، وكان يحب الفقهاء والشعراء ويعطيهم، ولا يضيع لديه بر ومعروف، وكان نقش خاتمه لا إله إلا الله.

العجيب أنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة تطوعًا، إلى أن فارق الدنيا، إلا أن تعرض له علة.

وقد استدعى إليه أبا معاوية الضرير محمد بن حازم ليسمع منه الحديث، قال أبو معاوية: ما ذكرت عنده حديثًا إلا قال صلى الله وسلم على سيدي، وإذا سمع فيه موعظة بكى حتى يبل الثرى، وأكلت عنده يوما ثم قمت لأغسل يدي فصب الماء علي وأنا لا أراه، ثم قال: يا أبا معاوية أتدري من يصب عليك الماء؟ قلت: لا. قال: يصب عليك أمير المؤمنين. قال أبو معاوية: فدعوت له، فقال: إنما أردت تعظيم العلم.


وحدثه أبو معاوية يومًا عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بحديث احتجاج آدم وموسى، فقال عم الرشيد: أين التقيا يا أبا معاوية؟ فغضب الرشيد من ذلك غضبًا شديدًا، وقال: أتعترض على الحديث؟ عليّ بالنطع والسيف، فأحضر ذلك فقام الناس إليه يشفعون فيه، فقال الرشيد: هذه زندقة، ثم أمر بسجنه وأقسم أن لا يخرج حتى يخبرني من ألقى إليه هذا، فأقسم عمه بالأيمان المغلظة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة بادرة مني وأنا أستغفر الله وأتوب إليه منها، فأطلقه.

وقال بعضهم: دخلت على الرشيد وبين يديه رجل مضروب العنق والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول، فقال الرشيد: قتلته لأنه قال القرآن مخلوق، فقتله على ذلك قربة إلى الله عز وجل.

وقال بعض أهل العلم: يا أمير المؤمنين انظر هؤلاء الذين يحبون أبا بكر وعمر ويقدمونهما فأكرمهم بعز سلطانك، فقال الرشيد: أولست كذلك؟ أنا والله كذلك أحبهما وأحب من يحبهما وأعاقب من يبغضهما.

وقال له ابن السماك: إن الله لم يجعل أحدا فوقك فاجتهد أن لا يكون فيهم أحد أطوع إلى الله منك، فقال: لئن كنت أقصرت في الكلام لقد أبلغت في الموعظة.

وقال له الفضيل بن عياض- أو غيره- إن الله لم يجعل أحدًا من هؤلاء فوقك في الدنيا، فاجهد نفسك أن لا يكون أحد منهم فوقك في الآخرة، فاكدح لنفسك وأعملها في طاعة ربك.

خوفه وزهده:


 دخل عليه ابن السماك يومًا فاستسقى الرشيد فأتي بقلة فيها ماء مبرد فقال لابن السماك: عظني، فقال: يا أمير المؤمنين! بكم كنت مشتريا هذه الشربة لو منعتها؟ فقال: بنصف ملكي.


فقال: اشرب هنيئًا، فلما شرب قال: أرأيت لو منعت خروجها من بدنك بكم كنت تشتري ذلك؟ قال بنصف ملكي الآخر.

فقال: إن ملكًا قيمة نصفه شربة ماء، وقيمة نصفه الآخر بولة، لخليق أن لا يتنافس فيه، فبكى هارون.

ودخل عليه الأصمعي وهو يقلم أظفاره يوم الجمعة، فقال له في ذلك، فقال: أخذ الأظفار يوم الخميس من السنة، وبلغني أن أخذها يوم الجمعة ينفي الفقر، فقلت: يا أمير المؤمنين أو تخشى الفقر؟ فقال: يا أصمعي وهل أحد أخشى للفقر منى؟.

ودخل عليه أخوه إبراهيم بن المهدي فدعا طباخه فقال: أعندك في الطعام لحم جزور؟ قال: نعم، ألوان منه، فقال: أحضره مع الطعام فلما وضع بين يديه أخذ لقمة منه فوضعها في فيه فضحك جعفر البرمكي، فترك الرشيد مضغ اللقمة وأقبل عليه فقال: مم تضحك؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين، ذكرت كلامًا بيني وبين جاريتي البارحة.

فقال له: بحقي عليك لما أخبرتني به. فقال: حتى تأكل هذه اللقمة، فألقاها من فيه وقال: والله لتخبرني.

فقال: يا أمير المؤمنين بكم تقول إن هذا الطعام من لحم الجزور يقوم عليك؟ قال: بأربعة دراهم. قال: لا والله، يا أمير المؤمنين بل بأربعمائة ألف درهم.

قال: وكيف ذلك؟ قال: إنك طلبت من طباخك لحم جزور قبل هذا اليوم بمدة طويلة فلم يوجد عنده، فقلت: لا يخلون المطبخ من لحم جزور، فنحن ننحر كل يوم جزور لأجل مطبخ أمير المؤمنين، لأنا لا نشتري من السوق لحم جزور، فصرف في لحم الجزور من ذلك اليوم إلى هذا اليوم أربعمائة ألف درهم، ولم يطلب أمير المؤمنين لحم جزور إلا هذا اليوم.

 قال جعفر: فضحكت لأن أمير المؤمنين إنما ناله من ذلك هذه اللقمة،  فهي على أمير المؤمنين بأربعمائة ألف.

قال: فبكى الرشيد بكاءً شديدًا، وأمر برفع السماط من بين يديه، وأقبل على نفسه يوبخها ويقول: هلكت والله يا هارون،  ولم يزل يبكي حتى آذنه المؤذنون بصلاة الظهر، فخرج فصلى بالناس ثم رجع يبكي حتى آذنه المؤذنون بصلاة العصر، وقد أمر بألفي ألف تصرف إلى فقراء الحرمين في كل حرم ألف ألف صدقة، وأمر بألفي ألف يتصدق بها في جانبي بغداد الغربي والشرقي، وبألف ألف يتصدق بها على فقراء الكوفة والبصرة.

ثم خرج إلى صلاة العصر ثم رجع يبكي حتى صلى المغرب، ثم رجع، فدخل عليه أبو يوسف القاضي فقال: ما شأنك يا أمير المؤمنين باكيا في هذا اليوم؟ فذكر أمره وما صرف من المال الجزيل لأجل شهوته، وإنما ناله منها لقمة.
فقال أبو يوسف لجعفر: هل كان ما تذبحونه من الجزور يفسد، أو يأكله الناس؟ قال: بل يأكله الناس.

فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بثواب الله فيما صرفته من المال الذي أكله المسلمون في الأيام الماضية، وبما يسره الله عليك من الصدقة، وبما رزقك الله من خشيته وخوفه في هذا اليوم، وقد قال تعالى : "ولمن خاف مقام ربه جنتان"، فأمر له الرشيد بأربعمائة ألف، ثم استدعى بطعام فأكل منه فكان غداؤه في هذا اليوم عشاء.

وقال له ابن السماك الواعظ يومًا: "إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث منه وحدك، فاحذر المقام بين يدي الله عز وجل، والوقوف بين الجنة والنار، حين يؤخذ بالكظم وتزل المقدم، ويقع الندم، فلا توبة تقبل، ولا عثرة تقال، ولا يقبل فداء بمال،  فجعل الرشيد يبكي حتى علا صوته فقال يحيى بن خالد له: يا ابن السماك! لقد شققت على أمير المؤمنين الليلة، فقام فخرج من عنده وهو يبكي".


وقال له الفضيل بن عياض- في كلام كثير ليلة وعظه بمكة-: يا صبيح الوجه إنك مسئول عن هؤلاء كلهم، وقد قال تعالى وتقطعت بهم الأسباب- الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا- فبكى حتى جعل يشهق.

 وقال الفضيل: استدعاني الرشيد يوما وقد زخرف منازله وأكثر الطعام والشراب واللذات فيها، ثم استدعى أبا العتاهية فقال له: صف لنا ما نحن فيه من العيش والنعيم فقال:

 عش ما بدا لك سالما ... في ظل شاهقة القصور

تسعى عليك بما اشتهيت ... لدى الرواح إلى البكور

فإذا النفوس تقعقعت ... عن ضيق حشرجة الصدور

فهناك تعلم موقنا ...   ما كنت إلا فــي غـــــــــرور

قال: فبكى الرشيد بكاءً كثيرًا شديدًا، فقال له الفضل بن يحيى: دعاك أمير المؤمنين تسره فأحزنته؟ فقال له الرشيد: دعه فإنه رآنا في ظلام فكره أن يزيدنا عمي.

وفاته:


وقد مات بطوس يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، ، ومدة خلافته ثلاث وعشرون سنة وشهر وثمانية عشر يوما، وصلى عليه ابنه صالح ودفن بقرية من قرى طوس يقال لها سناباذ، وقال بعضهم: قرأت على خيام الرشيد بسناباذ والناس منصرفون من طوس من بعد موته.


وقيل: لما شعر بدنو أجله قال: "احفروا لي قبرا. فحفروا له في ذلك البستان، فقال: احملوني أنظر إليه، فحمل فنظر إليه، فجعل يقول: أغثني أغثني، وارحم عبرتي. ثم قال: قربوني قليلاً، فقربوه، فنظر في القبر فقال: وسعوا عند الصدر قليلاً، ففعلوا، وهو ينظر، وأنزل قوما فختموا فيه القرآن، وقال: مدوا موضع الرجلين. ففعلوا، وهو في محفة على شفير القبر، ثم شخص ببصره إلى السماء وقال: يا من لا يموت، ارحم من يموت".

قال ابن الجوزي: وقد خلف الرشيد من الميراث ما لم يخلفه أحد من الخلفاء، خلف من الجواهر والإناث والأمتعة سوى الضياع والدور ما قيمته مائة ألف ألف دينار، وخمسة وثلاثون ألف دينار.

قال ابن جرير: وكان في بيت المال سبعمائة ألف ألف ونيف.

اضافة تعليق