رحلة مصطفى محمود من "الشك" إلى "الإيمان"

الخميس، 01 نوفمبر 2018 03:02 م
2015_8_21_1_58_55_134


وافق يوم أمس (31 أكتوبر 2018) الذكرى التاسعة لرحيل الدكتور مصطفى محمود، الطبيب والمفكر والفيلسوف، الذي غادر الحياة بعد رحلة عامرة بالبحث والفكر، تاركًا وراءه إرثًا معرفيًا كبيرًا ينهل منه المتعطشون إلى المعرفة.

مما أشيع عنه أنه عاش فترة من حياته، وتحديدًا في بداية شبابه، ملحدًا، لكنه نفى عن نفسه هذه التهمة التي طاردته كثيرًا منذ بدأ مشروعه الفكري بإصدار كتابه الأول "الله والإنسان" في مارس ١٩٥٧، وهي الفترة التي عانى خلالها من مشكلات فكرية نابعة من إمكانية وجود تعارض بين العلم المادي، الذى كان يدرسه بكلية الطب، وبين وجود الله.


في الكتاب الذي وضعه ليروي فيه قصة انتقاله من الشك في وجود الله إلى الإيمان واليقين التام بوجوده، "رحلتي من الشك إلى الإيمان"، يصف محمود رحلته من "الشك" لـ "الإيمان"، فيقول: "لقد رفضت عبادة الله لأني استغرقت في عبادة نفسي وأعجبت بومضة النور التي بدأت تومض في فكري مع انفتاح الوعي وبداية الصحوة من مهد الطفولة".

لم ينكر وجود هذه الشكوك، غير أنه نفى أن تكون قد تبلورت لفكرة الإلحاد: "كانت لى شكوك إنسانية لكن كنت مع الله وأنا في حالة شكي هذه"، ثم بتفسير أكبر، "ناقشت في كتابي كل الظواهر الموجودة في الكون بمنطق فكري علمي، والقليلون فهموا موقفي على وجهه الصحيح"، وختم قائلاً إنه قدم كتابه الأول منطلقًا من شىء أساسى وجوهرى، وهو أن الله واحد.

يضيف صاحب البرنامج التليفزيوني الشهير "العلم والإيمان": "أنا عمري ما شككت في وجود الله سبحانه وتعالى.. وأنه الواحد الأحد القهار.. ولم ينتابني الشك مطلقًا فى القدرة الإلهية وأنها تدير هذا الكون الكبير من حولنا وأن هذا الكون باتساعه الكبير هو خير برهان ودليل على وجود الخالق الأعظم فهو يفصح ويثبت ويبرهن بل يهتف لا إله إلا الله محمد رسول الله".

ويفسر ما كان يدو في ذهنه من تساؤلات وشكوك في هذا السياق، فيقول: "الشك كان في مسألة القضاء والقدر والجبر والاختيار والجنة والنار ونوع الخلود وشكله ومظهره. وكان رجال الدين يعتبرون أن مجرد التفكير في مثل هذه المسائل يعتبر الكفر بعينه.. وأنا لم أكن كافرًا".

لم تكن مرحلة الشباب هي البداية كما يظن البعض التي بدأت فيها تثار التساؤلات والشكوك في ذهن المفكر الراحل.. يقول: "لم تكن هذه البداية.. فالبداية منذ الطفولة منذ كتاب سيدي عز والشيخ الدجال الذي سبب وعظه الخاطئ لى نفورًا شخصيًا منه وإلى أن يتجه عقلي إلى طريق آخر في التفكير.. وببساطة أسرد لك بداية مرحلة الشك في صورة أفكاري وأنا طفل وهو: لماذا نستقبل منذ مولدنا كل الأفكار كمسلّمات يجب أن نرضى بها؟! لماذا نقنع بكل ما يدرس ويعلم لنا من الكبار؟! هل هم علماء وكلامهم يقين؟! هذه هي بداية الشك التي تحدث عادة لأي أحد في نفس مرحلتي وظرفي".

ويتابع: "فى عنفوان شبابى كان تيار المادية هو السائد، وكان المثقفون يرفضون الغيبيات، فكان من الطبيعي أن أتأثر بمن حولى"، ولذلك كما يقول: "احتاج الأمر إلى ثلاثين سنة من الغرق فى الكتب، وآلاف الليالى من الخلوة والتأمل مع النفس، وتقليب الفكر على كل وجه لأقطع الطرق الشائكة، من الله والإنسان إلى لغز الحياة والموت، إلى ما أكتب اليوم على درب اليقين".

كان يبحث عن مشكلة الدين والحضارة، أو العلم والإيمان، وما بينهما من صراع متبادل أو تجاذب، وقد ترجم لحياته الروحية قائلاً: "إن زهوي بعقلي الذي بدأ يتفتح، وإعجابي بموهبة الكلام ومقارنة الحجج التي تفردت بها، كانا هما الحافز وليس البحث عن الحقيقة ولا كشف الصواب".

ومع هذا العقل العلمي المادي البحت، بدأت رحلة الدكتر مصطفى محمود في عالم العقيدة، فهو لم يستطع أن ينفي وجود القوة الإلهية، يقول: "تصورت أن الله هو الطاقة الباطنة في الكون، التى تنظمه في منظومات جميلة، من أحياء وجمادات وأراض وسماوات، هو الحركة التى كشفها العلم في الذرة وفى الـ "بروتوبلازم" وفي الأفلاك، هو الحيوية الخالقة الباطنة في كل شىء".

ويتحدث عن صوت الفطرة الذي حرره من سطوة العلم، وأعفاه من عناء الجدل، وقاده إلى معرفة الله، وكان ذلك بعد أن تعلم، فى كتب الطب أن النظرة العلمية هي الأساس الذي لا أساس سواه، وأن الغيب لا حساب له في الحكم العلمي، وأن العلم ذاته هو عملية جمع شواهد واستخراج قوانين.
وهكذا كانت رحلته من الشك إلى اليقين تمهيدًا لفض الاشتباك بين العلم والإيمان، وذلك عن طريق علو الإنسان فوق المادة إلى ما هو أبعد أفقًا وأرحب مدى.

وبعد كل هذه السنوات، كان عليه أن يعترف بأن "العلم الحق لم يكن أبدًا مناقضًا للدين، بل إنه دال عليه مؤكد بمعناه وإنما نصف العلم هو الذى يوقع العقل فى الشبهة والشك، وبخاصة إن كان ذلك العقل مزهوًا بنفسه معتدًا بعقلانيته، وبخاصة إذا دارت المعركة فى عصر يتصور فيه العقل أنه كل شىء وإذا حاصرت الإنسان شواهد حضارة مادية تزأر فيها الطائرات وسفن الفضاء والأقمار الصناعية هاتفة كل لحظة.. أنا المادة.. أنا كل شىء".

وللطبيب الراحل كتاب أسماه "حوار مع صديقي الملحد" هو عبارة عن محاورة فكرية خيالية مع ملحد، يطرح الأسئلة الإلحادية المعروفة مثل: "هل الله موجود؟" و"من خلق الله؟" ويقوم هو بالاجابة العلمية بشكل منطقي على العديد من هذه الأسئلة.

يقول في الكتاب: "صديقي رجل يحب الجدل ويهوى الكلام وهو يعتقد أننا نحن المؤمنون السذج نقتات بالأوهام ونضحك على أنفسنا بالجنة والحور العين وتفوتنا لذات الدنيا ومفاتنها، وصديقي بهذه المناسبة تخرج من فرنسا وحصل على شهادة دكتوراه وعاش مع الهيبيز وأصبح ينكر كل شيء.

قال لى ساخرا: -أنتم تقولون: ان الله موجود، وعمدة براهينكم هو قانون "السببية" الذي ينص على أن لكل صنعة صانعًا ولكل خلق خالقًا ولكل وجود موجدًا، والنسيج يدل على النساج والرسم على الرسام والنقش على النقاش والكون بهذا المنطق أبلغ دليل على الإله القدير الذى خلقه.

صدقنا وآمنا بهذا الخالق، ألا يحق لنا بنفس المنطق أن نسأل: ومن خلق الخالق؟ من خلق الله الذي تحدثوننا عنه؟ ألا تقودنا نفس استدلالاتكم إلى هذا؟ وتبعًا لنفس قانون السببية، ما رأيكم في هذا المطب دام فضلكم؟ ونحن نقول له: سؤالك فاسد، ولا مطب ولا حاجة فأنت تسلم بأن الله خالق ثم تقول من خلقه؟! فتجعل منه خالقًا ومخلوقًا في نفس الجملة وهذا تناقض، والوجه الآخر لفساد السؤال أنك تتصور خضوع الخالق لقوانين مخلوقاته، فالسببية قانوننا نحن أبناء الزمان والمكان.

والله الذى خلق الزمان والمكان هو بالضرورة فوق الزمان والمكان ولا يصح لنا أن نتصوره مقيدًا بالزمان والمكان ولا بقوانين الزمان والمكان. والله هو الذى خلق قانون السببية فلا يجوز أن نتصوره خاضعًا لقانون السببية الذى خلقه، وأنت بهذه السفسطة أشبه بالعرائس التي تتحرك بزمبلك وتتصور أن الإنسان الذي صنعها لابد هو الآخر يتحرك بزمبلك، فاذا قلنا لها بل هو يتحرك من تلقاء نفسه، قالت: مستحيل أن يتحرك شيء من تلقاء نفسه، إني أرى في عالمي كل شيء يتحرك بزمبلك، وأنت بالمثل لا تتصور أن الله موجود بذاته بدون موجد، لمجرد أنك ترى كل شيء حولك في حاجة إلى موجد".

اضافة تعليق