"النجاشي".. كيف تخلص من الرق وأصبح ملكًا متوجًا؟

الخميس، 01 نوفمبر 2018 12:37 م
«النجاشي».. كيف تخلص من الرق إلي العرش؟


اقترن اسم النجاشي بالعدل، ونصرة المهاجرين من الصحابة إلى الحبشة، فهو ملك "لا يظلم عنده أحد"، كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد اشتهر بذلك، لكنه تعرض لتقلبات شديدة، حيث خلع من الحكم، وبيع رقيقًا، ثم تقلبت الأمور، وعاد إلى حكمه.


تكشف روايات السيرة القصة الكاملة للتقلبات التي وقعت للنجاشي، عندما رفض الرشوة من مبعوثي قريش، حتي لا يسلم لهم مهاجري الحبشة، وقال عبارته الشهيرة عندما غضبت البطارقة وحاشية بلاطه من عدم تسليم المهاجرين: "وإن تناخرتم والله.. اذهبوا فأنتم سيوم في الأرض- السيوم الآمنون في الأرض، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ثلاثًا ما أحب أن لي دبرًا وأني آذيت رجلاً منكم- والدبر بلسانهم الذهب- .. فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه.. ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها.. واخرجا من بلادي فخرجا مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به".

النجاشي عبدًا:


وقد فسرت السيدة عائشة عبارة "فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه"، وذلك أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلاً ولم يكن لأب النجاشي ولد غير النجاشي، فأدارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإن له اثنا عشر رجلاً من صلبه فتوارثوا الملك، لبقيت الحبشة عليهم دهرًا طويلاً لا يكون بينهم اختلاف، فعدوا عليه فقتلوه وملكوا أخاه.


فدخل النجاشي بعمه حتى غلب عليه، فلا يدبر أمره غيره، وكان لبيبًا حازمًا من الرجال، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا قد غلب هذا الغلام على أمر عمه، فما نأمن أن يملكه علينا وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفًا إلا قتله، فكلموه فيه فليقتله أو ليخرجنه من بلادنا، فمشوا إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه وإنا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا، فإما أن تقتله وإما أن تخرجه من بلادنا.

قال عم النجاشي: ويحكم قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم، بل أخرجه من بلادكم، فخرجوا به فوقفوه في السوق وباعوه من تاجر من التجار قذفه في سفينة بستمائة درهم أو بسبعمائة، فانطلق به فلما كان العشي هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمه تحتها فأصابته صاعقة فقتلته، ففزعوا إلى ولده فإذا هم "محمقون" ليس في أحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرهم.

فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره للذي بعتم الغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة، فأدركوه قبل أن يذهب، فخرجوا في طلبه فأدركوه فردوه فعقدوا عليه تاجه وأجلسوه على سريره وملكوه.

 فقال التاجر: ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي، فقالوا: لا نعطيك، فقال: إذًا والله لأكلمنه، فمشى إليه فكلمه، فقال أيها الملك إني ابتعت غلامًا فقبض منى الذي باعوه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي ولم يردوا علي مالي، فكان أول ما خبر به من صلابة حكمه وعدله أن قال: لتردن عليه ماله، أو لتجعلن يد غلامه في يده فليذهبن به حيث شاء.

فقالوا: بل نعطيه ماله فأعطوه إياه، فلذلك يقول: ما أخذ الله مني الرشوة فآخذ الرشوة حين رد علي ملكي، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه.
موقف لا تعرفه:

وقد أقام المهاجرون معه خير جار في خير دار، فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فحزن الصحابة حزنا لم يحزنوه قط حزنا، فرقا من أن يظهر ذلك الملك عليه فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه، فجعلنا ندعو الله ونستنصره للنجاشي، فخرج إليه سائرًا فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم لبعض: من يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من تكون؟

وقال الزبير- وكان من أحدثهم سًنا- أنا، فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة فهزم الله ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه.

وجاء الزبير فجعل يليح لنا بردائه، ويقول ألا فأبشروا، فقد أظهر الله النجاشي، فو الله ما علمنا أننا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا إلى مكة، وأقام من أقام.

براعته في السياسة:


اجتمعت الحبشة، فقالوا للنجاشي: إنك فارقت ديننا وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا، وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم وإن ظفرت فاثبتوا، ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن وخرج إلى الحبشة وصفوا له.


فقال: يا معشر الحبشة ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى، قال: فكيف أنتم بسيرتي فيكم؟ قالوا خير سيرة. قال: فما بكم؟ قالوا فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبده ورسوله، قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله.

 فقال النجاشي- ووضع يده على صدره على قبائه-: وهو يشهد أن عيسى بن مريم لم يزد على هذا، وإنما يعني على ما كتب، فرضوا وانصرفوا. فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له.

 ولما نعي النجاشي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه، إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- حين مات النجاشي- مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا على أخيكم "أصحمة"، وهو بالعربية "عطية".
وقيل: لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.

اضافة تعليق