مستشار رئيس السنغال: هذا هو الحل للتصدي لفوضى الفتوى (حوار)

الأربعاء، 31 أكتوبر 2018 11:47 ص
حوار مفتي السنغال


* الإفتاء الجماعي والمجامع الفقهية يقضي على فوضى الفتوى


* إنشاء معاهد متخصصة لتخريج المفتيين لمواكبة متغيرات العصر


*تجديد الفتوى صار فرض عين على المؤسسات الإسلامية والضوابط الصرامة ضرورة لصيانة قداستها


* تنقية علم الأصول من الشوائب وتفعيل منهج المقاصد الشرعية سبيل مهم لإخراج فتوى منضبطة


*إلى المستهزئين بجلال الفتوى: المفتي موقع عن الله وكفوا عن التجرؤ عليها


* صلاحية الشريعة الإسلامية في كل زمان ومكان لا تتناقض مع تجديد آليات الفتوى


**دراسة علم الاجتماع والنفس والمنطق ضرورة تنزيل فقه الواقع وإصدار فتوى منضبطة


*مبحث عصمة الأنبياء ومبحث حكم الأفعال قبل ورود الشرع عقدا علم أصول الفقه وجعله أقرب للفلسفة


* الفتاوى الجامدة والجهل بواقعها عمق مأساة الأقليات الإسلامية في العالم


*اغلب من يتصدون للفتوى حاليًا لا يمتلكون أدواتها وهذا هو الدليل


قال الدكتور منصور مأمون نياس، المستشار الخاص للرئيس السنغالي، إن أغلب من يتصدون للفتوى في الوقت الراهن غير مؤهلين لذلك، لكونهم لا يملكون الأدوات اللازمة، ولا الإمكانيات الضرورية، بشكل دفع بعض المستهزيئن بالعلوم الشرعية لاقتحام هذا المجال، متجاهلين عظمة وقدر المفتي بوصفه "موقع عن الله".

وأضاف نياس في حوار له مع موقع amrkhaled.net، خلال مشاركته في مؤتمر "تجديد الفتوى بين النظرية والتطبيق"، الذي عقد بالقاهرة مؤخرًا، أن "تأسيس معاهد متخصصة في تخريج المفتين وتشجيع الإفتاء الجماعي، وتفعيل دور المجامع الفقهية هو الحل في مواجهة فوضى الفتوى".

ورأى أن "التجديد في الفتوى غدا اليوم ضرورة ملحة قبل الغد، وذلك لا يعني العدوان على أصول وثوابت الإسلام، لاسيما أن القواعد المنهجية القائمة طبقًا للشريعة الإسلامية لازالت صالحة للاستعمال،  لكنها بحاجة إلى مراجعة رصيدها العلمي الضخم، وتطوير إجراءاتها بما يناسب مستجدات العصر، فصلاحية الشريعة الإسلامية في كل زمان ومكان لا تتناقض مع تجديد آليات الفتوى".

وشدد مستشار الرئيس السنغالي على "أهمية تفعيل عالم المقاصد الشرعية وتنقية عالم الأصول من الشوائب، وإخضاع من يجهز لمنصب المفتي لدورات أكاديمية منضبطة في عالم النفس والاجتماع، ليكون قادرًا على إنزال علم الواقع على الفتوى وضمان وجود فتوى منضبطة".

ونفى في الوقت ذاته أن تكون المطالبة بتنقية علم الأصول من الشوائب تعني الابتعاد بالكلية عن علم المنطق أو علم الكلام, فهما علمان مهمان لتوسيع مدارك الأصولي، وترتيب أفكاره وعمق نظره، ولكن تبقى مباحث كل فن ضمن فنه، فضلاً عن ضرورة الاهتمام  بالمقاصد باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من علم الأصول ورافدًا أساسيًا من روافد من روافد الاستنباط.

الحوار مع مستشار رئيس السنغال تطرق لقضايا عديدة نسردها بالتفصيل في السطور التالية:

*وجهت دعوة خلال مشاركتك بمؤتمر دور الإفتاء في العالم بضرورة تجديد الفتوى، والعمل على إعادة إنتاج الفكر الفقهي، وهو ما أثار الالتباس بين بعض الحضور؟


**المقصود بالتجديد هنا، ليس إلغاء القديم, وبناء جديد مكانه, فلا تزال أغلب قواعد المنهجية القائمة في أصول الفقه صالحة للاستعمال في إنتاج الفكر الفقهي الجديد وضبطه, ولكنها أيضًا بحاجة إلى تطوير إجراءاتها بما يناسب مستجدات العصر, ويستوعب تغيراته؛ فالمقصود ليس تجديد مادة الفقه, ولا مادة أصوله له, ولا تجديد ماهية الفتوى وأحكامها وشروطها, فكل ذلك من الثوابت التي لا تطالها يد التغيير ولا التجديد, إنما المقصود هنا  هو تجديد نظرتنا نحن إلى الفقه وأصوله, وطريقة استخدامه, وتجديد آليات الفتوى وإجراءاتها, وهذا مما لا تختلف الأمة في جوازه, بل هو معنى كون الشريعة صالحة لكل زمان وكل مكان لا تتناقض مع المساعي لتجديد الفتوى وتطوير آلياتها.

* نعاني فوضى فتوى غير مسبوقة، برأيك ما هو سبب ذلك؟


 ** الوضع الجلل لمنصب الإفتاء وخطورته لا ينفي وجود هذه الفوضى، حيث نجد من يتصدى للإفتاء دون امتلاك أدواته وشروطه "ولاَ تقُوُلواْ لمَا تصف ألسنتكم الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرامٌ"، وقال جل من قائل: "قلْ إنَّما حَرمَ رِ بيَ الفَوَاحِشَ مَا ظهَرَ مِنْهَا وَمَا بطنَ وَالِإثْمَ والبغيَ بِغيْرِ الحق وَأن تشْرِكواْ بِاللِّه مَا لَمْ ينزل بهِ سلطانًا وَأن تقُوُلواْ عَلى الله مَا لاَ تعْلمُونَ" الأعراف: 33, فقد عطف جل شأنه القول على الله بغير علم على الشرك بالله، وذلك حتى يستشعر المتصدي للفتوى عظمة المسئولية الملقاة على عاتقه.

*ما تقوله يعيد الاعتبار لمنصب الإفتاء ويؤكد بعد تعرضه لانتقادات خلال السنوات الماضية؟


**بالتأكيد، فلا يجوز للمفتي أن يفتي قبل أن يكون له تصور  كامل عن القضية المستفتى فيها, فالحكم على الشيء فرع من تصوره, ثم يتيقن أو يغلب على ظنه على الأقل صحة تكييفه للنازلة, "هذا الفعل مثلاً عمد، أم خطأ، هل هذه النازلة، مثلاً بيع أم كراء أم هبة", ثم يتأكد من علمه بحكم النازلة, فإن تحقق ما سبق أفتى بعلمه، وإلا فلا وليس أدل علي أهمية منصب المفتي بأنه موقع عن الله تعالى, وهو ما يظهر بقوة في قول  الله تعالى: "يسْتفتونك قُلِ الله يفتيكم ُفي الكَلالةِ" النساء: 176", وقال جل من قائل: "ويستفتونك في النساء قلِ الله يفتيكم فيهن": النساء: 127"، فالمفتي حقيقة هو الله جلت قدرته, والمجيب عن السؤال موقع عنه, فليعد لهذا الموقف عدته.

*يعتبر الكثيرون من المهتمين بمجال الفتوى أن دعوات التجديد ما هي الإ محاولة للنيل من الثوابت الإسلامية، وأنها كلمة حق يراد بها باطل؟

** تجديد الفتوى اليوم غدا ضرورة، وليس اختيارًا يدعو له تطور الحياة, وتغير كثير من معالمها، وتعقد الحياة نفسها, وتسارع وتيرتها، ما يحتم الرجوع إلى منظومتنا الأصولية، التي تعد الركن الركين في استخراج الأحكام بالتنقية، والتوسيع، والإضافة، لتشمل هذه النوازل المستجدة وتلاحق تطورها، ولابد لتجديد الفتوى من تطوير أدواتها وأساليبها, وتجديد هذه الأدوات والأساليب.

*من الأولى بالتجديد المفتي أم أدواته؟

 **جميع عناصر الفُتيا، في مقدمتها المفتي نفسه, ويكون ذلك عبر خطوات، منها تجديد علم أصول الفقه بتنقيته مما علق به وتوسيعه، بمراعاة الخلاف ضمن ضوابط محددة, فضلاً عن  الاهتمام بالمقاصد، وإعطائها المكانة اللائقة بها ضمن أصول الفقه دراسة واستعمالاً, والتركيز على اللغة العربية وأساليبها، مع الاستعانة بمستجدات العصر من أدوات ومناهج في تجديد أصول الفقه، كعلم الاجتماع وعلم النفس، وغيرها من المجالات التي لها تأثير على الأحكام واستنباطها وتطبيقها.

*لاشك أن منهجية التجديد في الفتوى تتضمن أصولاً وقواعد حتى لا تفارق روح الشريعة الإسلامية وثوابتها؟


**الفتوى هي حصيلة تنزيل الحكم الشرعي على الواقع من خلال تتبعنا لمحطاتها السابقة, والقدرة على تنزيل الحكم على الواقع تستلزم تصور هذا الواقع, وتكييف النازلة, ولابد لتجديد الفتوى من وضعية منهجية واضحة للتجديد على مستويات ثلاث؛ أهمها ضرورة تصور الواقع المحيط بالنازلة, وهذا يستلزم أن يكون مختلطًا بالناس, عارفًا بتفاصيل حياتهم بدقة عن طريق الممارسة والمشاهدة, لا عن طريق الإخبار والنقل, فالإخبار والنقل كانا كافيين لمعرفة الواقع في الزمن الماضي، حيث كان المفتي يكفيه الاستفسار عن ما يفعل الناس في مثل هذه النازلة، لإدراك الواقع وتصوره  لبساطة  ذلك الزمن، وتطابق نمط حياة الأفراد فيه، لكن الواقع اليوم أصبح أكثر تعقيدًا بكثير, فلا يمكن إدراكه إلا بالممارسة والتفاصيل الدقيقة, فعلى سبيل المثال: ليس كل سائل في زماننا هذا لا طعم له ولا لون ولا رائحة ماءً مطلقًا, وليس كل ما فيه ككحول نجسًا, لأن الكحوليات مركبات كيميائية كثيرة, منها ما هو مسكر, ومنها غير ذلك، والوقوف على هذه الدقائق هو ما يسمى بفقه الواقع.

*من يتصدى للفتوى حاليًا بحاجة إلى إجادة فقه الواقع وتمحيصه في ظل التغييرات الجذرية التي يشهدها العالم بشكل عام والعالم الإسلامي بشكل خاص؟
**هذا النمط من الفقه أساسي للمفتي، لأنه متغير حسب الزمان والمكان, ولا يمكن مثلاً لمفتي لم يبرح العالم الإسلامي أن يفتي في نازلة حادثة في أقلية مسلمة منعزلة، لأنه لا يدرك واقعها, ولا ظروفها, ولو أفتاها بمقتضى ما يعيشه، وما يراه في عالمه، لضل وأضل، لأنه أفتى بغير علم, فهو وإن كان يعلم الحكم الشرعي لكنه يجهل الواقع, فأنزل هذا الحكم في غير محله, فقد أخرج أبو داود أن جماعة من الصحابة كانوا على سفر، فأصاب رجل منهم حجر فشجه  في رأسه, فلما أراد الصلاة، قال لهم: أتجدون لي رخصة؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء, فاستخدم الماء فالتهب جرحه فمات, فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قتلوه, قتلهم الله, ألا سألوا إذ لم يعلموا, فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه ثم يمسح عليه, ويغسل سائر جسده"، رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

*ما أبرز الدروس المستفادة من الحديث المذكور في ضمان وجود فتوى شرعية تحافظ على أصول الشريعة وتواكب فقه الواقع؟


**انظر إلى قول رسول  الله صلي  الله عليه وسلم: "قتلوه, قتلهم الله", وأنظر إلى قوله: "ألا سألوا إذ لم يعلموا", فهو صلى الله عليه وسلم لم ينف عنهم العلم لجهلهم بالواقع, وهو محل الفتوى  ومكانها, وأثبت أنهم قتلوا هذا الرجل بفتواهم, ودعا عليهم, فأي مصيبة أعظم من هذه؟، والدافع لخطأ هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم هو ورعهم وحرصهم على الشريعة, حيث قالوا للرجل: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء, فحكم هؤلاء بقدرة الرجل على الماء نتج بسبب جهلهم بالواقع, حيث أنهم لم يحيطوا بالنازلة من كل جانب, فجهلوا أن مثل هذا الجرح إن أصابه ماء نتجت عنه نتائج وخيمة, فكان يلزمهم التوقف حتى يسألوا طبيبًا أو تكون لهم معرفة بهذا الجانب.!

*الحديث يظهر أن الاهتمام بالواقع كان من عمل النبي منذ قرون طويلة فلماذا تجاهله العلماء؟


**إدراك الواقع بالخبر والوصف أصل من أصول الفتوى الصحيحة، وتأكيد على أهمية معرفة الواقع قبل إصدارها، وبيان خطورة الجهل به، فالتجديد في هذا الجانب هو تجديد للمفتي نفسه أن يكون مختلطًا بالناس, عالمًا أحوالهم, وتفاصيل أمورهم, فلا يفتي أهل السوق إلا تاجر معهم, ولا أهل سوق الماشية إلا واحد منهم, ليكون عالمًا بتفاصيل حياتهم, معايشًا لدقائقها، عالمًا بتحقيق المناط, ساعيا لتحقيقه، بحيث يسأل الطبيب أو الصناعي أو الاقتصادي كل في مجاله، حتى يتأكد من المناط أنه يطابق الحكم, أي تشجيع الإفتاء الجماعي.


*غير إن إجادة فقه الواقع ليست أمرًا سهلاً، كما أكدت بل تحتاج عديدًا من المراحل والمتطلبات قبل الوصول إلى إجادة التعامل معها تصويبًا وتجديدًا للفتوى الشرعية؟


** التجديد في هذا الجانب، يبدأ بالرجوع إلى هذا التراث وغربلته بدءًا من أصول الفقه التي هي أصل الفتوى, ومنشأ الحكم, ويكون ذلك عبر عديد من الخطوات، منها تنقية علم الأصول، مما لحق به ودخل في ثناياه مما ليس منه, ففي علم الأصول كثير من المباحث الوافدة من علم الكلام وعلم المنطق مما لا علاقة له أصول الفقه, بل هو إلى الفلسفة أقرب, وقد نتج عن هذا إدخال مباحث لا علاقة لها به شحنت كتبه بها مثل: مبحث عصمة الأنبياء, ومبحث حكم الأفعال قبل ورود الشرع، ومبحث التكليف بالمحال, وغيرها من المباحث التي لا ينبني عليها حكم, ولا يتخرج منها فرع, وإنما تزيد علم الأصول تعقيدًا وبعدًا عن كونه أصل للفقه.

*ماذا تعني هنا بتنقية علم الأصول من الشوائب؟

**لا نعني بتنقية علم الأصول من الشوائب الابتعاد بالكلية عن علم المنطق أو علم الكلام, فهما علمان مهمان لتوسيع مدارك الأصولي, وترتيب أفكاره, وعمق نظره, ولكن تبقى مباحث كل فن ضمن فنه، فضلاً عن ضرورة الاهتمام بالمقاصد باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من علم الأصول, ورافدًا أساسيًا من روافد الاستنباط, ولا غنى عنها في استنباط أحكام كثيرة في المجالات المعاصرة, وبدونها يفقد علم أصول الفقه كثيرًا من طاقته وقدرته على الإبداع, ومواكبة المستجدات, وتطبيقات هذا البند كثيرة في حياتنا العملية مع ضرورة الاهتمام بالجانب اللغوي، ويكون ذلك باستثمار طاقات اللسان  العربي, ودلالات الألفاظ في استنباط المعاني المقصودة من الخطاب الشرعي، وعدم الركون إلى الفكر الظاهري الذي يعطل طاقات النص الشرعي, ويئد مستخرجاته.

*هل هناك خطوات محددة لنضمن وجود مفتيين أكفاء قادرين على الاستفادة من فقه الواقع وضمان إخراج فتوى منضبطة شرعيًا؟ 


**الخطوات العملية، منها ضرورة أن يكون المفتي ملمًا بتفاصيل عصره ليتم تصوره للنوازل الواقعية كما بينا سابقًا, أي التركيز على علم الواقع لدى المفتي، وهذا الأمر يتطلب تدريب المفتين على تكييف المسائل, وهي ملكة ولكنها تهذب بالصقل والتدريب، فضلاً عن ضرورة تأسيس معاهد وكليات تهتم بتخريج المفتين فقط، لتكوينهم وصقلهم، وجعل الإفتاء علماء وليس مقررًا ضمن كليات ومعاهد تتخصص في علوم إسلامية أخرى.

**هل تضمن مثل هذه الإجراءات انضباط الفتوى وعدم استمرار حالة الفوضى الحالية؟


**الفتوى اليوم أحوج ما تكون إلى وضع ضوابط تصون قداستها  وتحدد شروطها، في ظل هذا السيل الجارف من الفضائيات  ووسائل التواصل الاجتماعي, وتبادل المعلومات, واعتبار كثير من المستهزئين بالعلم, الناقصين في الورع أن الإفتاء تزكية لعلمهم, ووسيلة لشهرتهم, ونحن اليوم أمام تحد كبير بين ضرورة تجديد الفتوى وصياغة منهج هذا التجديد, وإيجاد الآليات اللازمة لتطبيقه الاهتمام، فضلاً عن تشجيع الاجتهاد الجماعي والإفتاء الجماعي ليقع التكامل بين الجماعة في تصور  النازلة وفي تكييفها, وفي إنزال العلم المناسب لها عليها، وبهذا يتم التجديد فيما يمكن التجديد فيه, وتتم المحافظة على الثوابت الشرعية الخارجة عن التغيير والتبديل.

اضافة تعليق