"حب على سنة الله ورسوله".. هكذا انتصر الإسلام للحب

الأربعاء، 31 أكتوبر 2018 11:28 ص
حب على سنة الله ورسوله

 
يتصور البعض دائمًا حينما تتحدث عن عاطفة الحب، أن الكلام سيدور حول جسد المرأة، وعلى الفور تتحول الفكرة في مخيلته إلى قضية شيطانية تدور تفاصيلها حول الحرام في العلاقة بين الرجل والمرأة، بحسب ما يتوارد في الأذهان، وهذا ناجم عن النظرة الخاطئة إلى المرأة التي تحصرها في العلاقة الجنسية، أو النظر إليها على أنها عورة، ويهمل العاطفة الحقيقية التي لم ينكرها نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم بأن لم يخجل حينما عبر عن حبه الشديد للسيدة خديجة رضي الله عنها بأنها "رزق رزقه الله له".
 
وكلمة الحب معناها واسع، لها مجالات رحبة تشمل الحياة، تشمل حب الله تعالى، الذي من أجله نحب الحياة، وهناك حب رسول الله، وحب الدين، وحب الوطن، وحب الأسرة وحب الناس، فالإنسان عقل وقلب، أو عقل وعاطفة، لا يستغني بأحدهما عن الآخر، فالعقل والعاطفة هما شيئان أساسيان في شخصية الإنسان، يحقق له وجودهما التوازن المطلوب.
 
ويظن البعض، خاصة المتدينين، أن الحب جريمة لا توبة لها، ومن ثم فإن من يحب يكون قد ارتكب إثمًا عظيمًا، وهو اعتقاد خاطئ مناف للفطرة التي جبلت على الحب، ولو كان الحب حرامًا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن حبه للسيدة خديجة رضي الله عنها "إني رزقت حبها".
 
 
وكان النّبي صلى الله عليه وسلم يطلب من ربه أن يسامحه على ميل قلبه نحو السيدة عائشة عن غيرها من زوجاته، فقد رُوِي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنّها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم "يُقسّم فيعدل، ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".
 
غير أن الإسلام وضع ضوابط للحب حتى يكون في إطار المباح والمشروع، ولا يتجاوز إلى المحظور، الذي نهى عنه، بل إنه حث على الزواج بين المتحابين، باعتباره الوسيلة الوحيدة والصحيحة التي تسير فيها مشاعر الحب الجياشة.
 
ليكون الحب مثل الزواج على كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، دون أن يتعدى للمحظور، أو يتحول لعلاقة شهوانية.
 
وعن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن عندنا يتيمة وقد خطبها رجل معدم ورجل موسر وهي تهوى المعدم، ونحن نهوى الموسر، فقال صلى الله عليه وسلم: لم ير للمتحابين مثل النكاح.

وقال المناوي في "فيض القدير" بعد ذكره لهذا الحديث: إذا نظر رجل لأجنبية وأخذت بمجامع قلبه فنكاحها يورثه مزيد المحبة.
 
ويقول العلماء إنه ليس من العيب أن يميل قلب الشاب ناحية فتاة، وكذا الفتاة لا لوم عليها أن يميل قلبها ناحية شاب، طالما كان ذلك وفق الضوابط الشرعية، وما دام ذلك مغلفًا بأهداف ونوايا طيبة، على أن يتوج هذا الحب في النهاية بالزواج، وإن كان هذا لا يعطيهما الحق في التمادي في العلاقة خارج هذا الإطار، أو أن يكون هناك تلاعب بالمشاعر، أو الغرض منه التسلية ليس إلا.
 
وتعد الخطوبة أكبر دليل على صدق النية والمشاعر، ما دامت تفضي إلى الزواج، لكن الأمر محكوم بضوابط، فلا يتقدم شاب لفتاة وهو يعرف أنها مخطوبة، فالنبي الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك؛ فعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا يخطب بعضكم على خطبة بعض".
 
وعن عبد الرحمن بن شماسة، أنه سمع عقبة ابن عامر على المنبر يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر".
 
وعن أبي هريرة، أن "النبي صلى الله عليه وسلم، نهى عن أن يبيع حاضر لباد أو يتناجشوا أو يخطب الرجل على خطبة أخيه أو يبيع على بيع أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفى ما في إنائها، أو ما في صحفتها".
 
وأباح الإسلام النظر إلى المرأة وإلى وجهها لمن يريد الزواج منها، وذلك حتى يرى فيها ما يدعوه إلى استحباب الزواج منها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "هل نظرت إليها، فإن في عيون الأنصار شيئا؟" قال: قد نظرت إليها".
 
وورد عن جابر بن عبدالله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خطب أحدكم امرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعو إلى نكاحها فليفعل". قال: "فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجتها".
 
وقد ورد عن بكر بن عبد الله المزني، عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما"، أي أحرى أن تدوم المودة بينكما.
 
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خطب إليكم ممن ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض.
 
ولا يجوز للأب، أو أي شخص يتولى أمر فتاة أن يكرهها على الزواج؛ فقد كانت خنساء بنت خدام الأنصاري متزوجة من أنيس بن قتادة الأنصاري فاستشهد في بدر، فزوّجها أبوها من رجل لا ترغب فيه، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشتكي له قائلة: "يا رسول الله، إن أبى أنكحني، وأن عم ولدي أحبّ إليّ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم زواجها بيدها، وردّ النكاح الأول"، وبذلك جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الثيب - أي التي سبق لها الزواج بيدها.
 
وحينما أراد عم زينب بنت عثمان بن مظعون القرشية، قدامة بن مظعون أن يزوجها من ابن عمر بن الخطاب، فرد النبي صلى الله عليه وسلم زواجها، فتزوجت من المغيرة بن شعبة.
 
فالمسلم يحاول أن يصطحب الإنسان الذي تظل محبته وخلته ومودته له مستمرة طوال الحياة حتى تصحبه في القبر، بل تصحبه يوم القيامة، وتظله في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله.
 
لذل أكد العلماء أن الحب في الإسلام جائز بشرط ألا يسعى الإنسان إليه، فلا يصح أن يقول "قررت أن أحب"، فتدفعه شهواته للتعرض إلى الفتيات وبنات المسلمين، ولكن الحب هو الذي يفرض نفسه على الإنسان، وهو من يسعى إلى الإنسان، ولا يسعى إليه.

اضافة تعليق