شومان: الشريعة لم تحصر نظام الحكم في "الخلافة"

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018 12:48 م
٢٠١٨١٠٣٠_١٠٠٢٥٦



الأمين العام لهيئة كبار العلماء:
التوصيف الشرعي الملائم للإرهابيين هو المفسدون في الأرض


قال الدكتور عباس شومان الأمين العام لهيئة كبار العلماء، إن الشريعة الإسلامية لا تقر شكلاً واحدًا فقط من أشكال الحكم، وهو نظام الخلافة الذي عرفه المسلمون في عهد الخلفاء الراشدين عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بما فيها طريقة القهر والغلبة، التي برر قبولها رغم رفض الفقهاء لها لـ "الضرورة من أجل تحقيق الاستقرار".

وخلال مشاركته في فعاليات الدورة الثالثة والعشرين لمجمع الفقه الإسلامي الدولي بالتعاون مع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، أكد شومان، أن "الله خلق الخلق وهو يعلم أنهم لا تستقيم أحوالهم إلا بتنصيب حكام يسوسونهم ويقومون على شئونهم، فجاءت الشريعة مبينةً مقومات الحاكم الذي يصلح لقيادة الأمة، واجتهد السلف في طرق اختياره وتنصيبه، وبينت الشريعة كذلك حقوق الحاكم وواجباته، وأُطر العلاقة بينه وبين المحكومين".

وأوضح أنه "وما من أمة أحسنت اختيار حاكمها إلا استقرت وارتقت، وما من أمة تعجلت وأساءت اختيار حاكمها إلا جنت فشلًا وتراجعًا واضطرابًا".

وأشار إلى أنه "وعلى الرغم من أن شريعتنا الغراء تركت لمجموع الأمة اختيار حاكمهم، وفق ما يقرره حكماؤها وما يصلح لزمانهم ومكانهم وثقافتهم، ولم تحسم طريقة اختيار الحاكم، ولم تحصرها في طريقة واحدة يُلزم الناس بها، كما يدعي مَن قصر فهمهم، أو مَن يستغلون الدين ستارًا يبررون به انحرافاتهم وجرائمهم بغية تحقيق مآرب سياسية لا علاقة لها بالدين وشريعته؛ فإن فقهاء الأمة بالاستقصاء وسبر أغوار الأدلة وتتبع المواقف العملية للرعيل الأول، قد ذكروا عددًا من الطرق الشرعية لاختيار حاكم الدولة الإسلامية".

وذكر من أشكال الحكم التي تقرها الشريعة الإسلامية "اختيار الحاكم بطريقة الشورى الموسعة التي تشبه نظام الانتخابات العامة في زماننا، وهي الطريقة التي اختير بها أبو بكر الصديق أول خليفة للمسلمين. وقد يكون بطريقة تعيين الحاكم لمن يراه صالحًا لخلافته، ولا يُشترط في ذلك أن يكون من قرابته، بل لا يجوز اعتماد القرابة وحدها مرجحًا للاختيار، وإلا تحمل المختار نتيجة سوء اختياره، وتحمل مَن قَبِلَ الحكم وهو ليس أهلًا له إثمَ إقدامه على تحمل ما لا قِبَلَ له به، وبطريقة التعيين هذه تولى سيدنا عمر بن الخطاب خلافة المسلمين، وهذا النظام أشبه بما يحدث في الأنظمة الملكية ونحوها في وقتنا الحالي".

وأضاف "وقد يكون اختيار الحاكم بطريقة الشورى المقننة، وهي أشبه بالنظام المعمول به في الأنظمة البرلمانية في بعض الدول حاليًّا؛ حيث يختار البرلمان أو مجلس الشورى الحاكم نيابةً عن الشعب، كما حدث في اختيار سيدنا عثمان بن عفان".

وتابع: "وقد ذكر الفقهاء طريقة رابعة لا ترضى عنها الشريعة مسلكًا لتولي الحكم، بل تمنعها وتحذر منها، وهي طريقة القهر والغلبة، لكنها إن وقعت بالفعل، فإن الشريعة تقر نتيجتها للضرورة؛ طلبًا لاستقرار الأمة ومنعًا للاقتتال بين مواطنيها".

وأوضح أن "هذه الطرق التي استقراها علماء السياسة الشرعية من واقع الأمة الإسلامية عبر تاريخها، ولا سيما في صدرها الأول، تكاد تحصر طرق تولي الحكم السائدة في عالمنا المعاصر، ويصعب أن يضاف إليها طرق أخرى، فإن تفتقت أذهان الناس عن طرق أخرى لاختيار الحاكم، فإن شريعتنا ليس فيها ما يمنع اعتمادها وإضافتها إلى الطرق المقررة".

واعتبر الأمين العام لهيئة كبار العلماء، أن "هذا يدل دلالة واضحة على مرونة شريعتنا وصلاحيتها لكل زمان ومكان ومراعاتها لأحوال الناس، وعلى هذا فإن تحميل الشريعة ما لا تحتمله كقصر تولي الحكم على طريقة واحدة كما يدعي بعض المفسدين، إنما هو تضييق لموسَّع وإجبار في مخيَّر يضر بسماحة شرعنا الحنيف ويُظهره قاصرًا عن تحقيق مصالح الناس، فضلًا عن أنه استغلال للدين في صراعات سياسية هو أبعد ما يكون عنها".

وتناول شومان الإشارة إلى "الخلط بين البغاة الذين يخرجون على حاكمهم، والمعارضين بالرأي، والإرهابيين؛ حيث يُطلق بعض الناس على الإرهابيين وصف (البغاة) أو (الخوارج)، وربما يطلقون ذلك على المعارضين في الرأي أيضًا".

وقال إن "هذا من الخلط المعيب المضلل للناس، فلكلٍّ منهم حكمٌ يخالف الآخر: فالمعارضة بالرأي حق مكفول في شريعتنا لا يترتب عليه شيء، شريطة ألا يتجاوز حدود التعبير عن الرأي".

وذكر "صورًا من التعبير عن الرأي وإبداء رأي مخالف بين سيد الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم - وبعض صحابته - رضوان الله عليهم - ولم يُعاقَب فيها صاحب الرأي المخالف على رأيه، بل نزل عليه خاتم الأنبياء والمرسلين لما رآه صائبًا، خاصة ما يتعلق بأمور الدنيا وسياسة الرعية".

وتابع: "أما البغاة أو الخوارج، فنعلم جميعًا كيف تعامل سيدنا علي رضي الله عنه مع أول خوارج في تاريخنا الإسلامي؛ حيث رفض تكفيرهم قائلًا: «إخواننا بَغَوا علينا»، وحين كانوا يعرِّضون بآيات قرآنية مثل قول الله تعالى: «إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ» - في إشارة إلى خروج سيدنا علي على شرع الله حين قَبِلَ تحكيم البشر - كان يقول: «كلمة حق أريدَ بها باطل، لكم علينا ألا نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم من الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدأكم بقتال»، فالبغاة يعامَلون كغيرهم من المواطنين، فإذا لجأوا إلى استخدام القوة عوملوا بنفس منطقهم حتى يردوا عن بغيهم".

فيما نعت الإرهابيين بأنهم "شر هذه الأصناف الثلاثة، وهؤلاء ينطبق عليهم قول ربنا: «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».
وقال إن "التوصيف الشرعي الملائم للإرهابيين هو وصفهم بالمفسدين في الأرض المحاربين لله ورسوله، وإنما لا تستحق الجماعات الإرهابية كداعش وأخواتها وصفَهم بأنهم خوارج أو بغاة؛ لعدم تحقق شروط البغي فيهم، بالإضافة إلى أن اعتبارهم مفسدين في الأرض محاربين لله ورسوله أمضى في التخلص من شرورهم".

وسلط شومان البحث الضوء على تلك القضايا وغيرها من القضايا المثارة في علاقة الحاكم بالمحكوم قديمًا وحديثًا، ومنها "التكييف الشرعي للأحداث التي وقعت في بعض دولنا العربية في عام ٢٠١١م والتي أُطلق عليها إعلاميًّا (ثورات الربيع العربي)؛ حيث اختلط على الناس توصيفها شرعًا، فمنهم مَن عارضها باعتبار القائمين بها بغاة لخروجهم على حكام تولوا الحكم بطرق مقررة في الشريعة، ومنهم مَن اعتبرها مظهرًا من مظاهر التعبير عن الرأي، وحمَّلوا الحكام أثر ما ترتب على استخدام القوة ضد المتظاهرين".

اضافة تعليق