أصعب 4 أسئلة في حياة عالم.. تعرف على الإجابة؟

الإثنين، 29 أكتوبر 2018 03:24 م
20


اقترنت مدارس الفقه بروادها ومؤسسيها الأربعة الإمام "أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل"، لكن كان هناك أئمة لهم قصب السبق في علم الفقه، اندثر مذهبهم، ولم يبق منه إلا ما احتوته بطون الكتب، دون أن يكون لهم مذهب مستمر اعتمد كمذهب فقهي رسمي مع المذاهب الأربعة.

 ومن هؤلاء الأئمة العظماء، الإمام "الأوزاعي" أبو عمرو عبدالرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، والأوزاع بطن من حِمْيَر.
حياة هذا الإمام مليئة بالدروس والعبر التي تدل على الفهم الواسع، والعلم النافع الذي تركه للأمة، ولم يكن الإمام متكلفًا، لم تغيره الدنيا، ولم يفتنه العلم، حتى قبضه الله، وهو على حالة مرضية من الزهد والعلم والورع.

مولده ونشأته:
ولد ببعلبك، ونشأ بالبقاع يتيمًا في حجر أمه، وكانت تنتقل به من بلد إلى بلد، وتأدب بنفسه، فلم يكن في أبناء الملوك والوزراء أعقل منه، ولا أورع، ولا أعلم، ولا أفصح، ولا أوقر، ولا أحلم، ولا أكثر صمتًا منه، وما تكلم بكلمة إلا كان المتعين على من يجالسه أن يكتبها; من حسنها، وكان يعاني الرسائل والكتابة.
ثم رحل الأوزاعي من دمشق، فنزل بيروت مرابطًا بأهله وأولاده،  قال: وأعجبني فيها أني مررت بقبورها، فإذا امرأة سوداء، فقلت لها: أين العمارة يا هنتاه؟ فقالت: إن أردت العمارة فهي هذه، وإن كنت تريد الخراب فأمامك، وأشارت إلى البلد، فعزمت على الإقامة بها.

ساد أهل زمانه وسائر البلاد في الفقه والحديث والمغازي وعلوم الإسلام، وقد أدرك خلقًا من التابعين وغيرهم، وحدث عنه جماعات من سادات المسلمين، كمالك بن أنس، والثوري.
وأثنى عليه غير واحد من الأئمة، وأجمع المسلمون على عدالته وإمامته; قال مالك: كان الأوزاعي إمامًا يقتدى به.
وقد حج مرة، فدخل مكة وسفيان الثوري آخذ بزمام جمله، ومالك يسوق به، والثوري يقول: أفسحوا للشيخ.
وقد تذاكر مالك والأوزاعي بالمدينة من الظهر حتى صليا العصر، ومن العصر حتى صليا المغرب، فغمره الأوزاعي في المغازي، وغمره مالك في الفقه.

تنصب للفتوى، وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة، ثم لم يزل يفتي حتى مات.

وقال يحيى القطان عن مالك: اجتمع عندي الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة. فقلت: أيهم أرجح؟ قال: الأوزاعي.

وقال محمد بن عجلان: ما رأيت أحدًا أنصح للمسلمين من الأوزاعي، ولم ير ضاحكًا مقهقهًا قط، ولقد كان يعظ الناس فلا يبقى أحد في مجلسه إلا بكى بعينه أو بقلبه، وما رأيناه يبكي في مجلسه قط.

وكان الأوزاعي لا يلحن في كلامه، وكانت كتبه ترد على المنصور، فينظر فيها ويتأملها، ويتعجب من فصاحتها وحلاوتها، فقال يومًا لأحظى كتابه عنده وهو سليمان بن مجالد: ينبغي أن تجيب الأوزاعي عن كتبه.

 فقال: والله يا أمير المؤمنين، لا يقدر أحد من أهل الأرض على ذلك، وإنا لنستعين بكلامه فيما نكاتب به أهل الآفاق ممن لا يعرف كلام الأوزاعي.

زهده وكلاماته النافعة:
كان إذا صلى الصبح جلس يذكر الله سبحانه وتعالى حتى تطلع الشمس، ويؤثر عن السلف ذلك. قال: ثم يقومون فيتذاكرون في الفقه والحديث.

وعن الأوزاعي أنه قال: رأيت رب العزة في المنام، فقال: أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فقلت: بفضلك يا رب. قلت: يا رب أمتني على الإسلام. فقال: وعلى السنة.

وكان الأوزاعي، رحمه الله كثير العبادة، حسن الصلاة، وكان يقول: من أطال القيام في صلاة الليل هون الله عليه طول القيام يوم القيامة، وكأنه أخذ ذلك من القرآن، وهو قوله تعالى: "ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يومًا ثقيلاً".

وقد حج فما نام على الراحلة، إنما هو في صلاة، فإذا نعس استند إلى القتب، وكان من شدة الخشوع كأنه أعمى.

ودخلت امرأة على امرأة الأوزاعي، فرأت الحصير الذي يصلي عليه مبلولاً، فقالت لها: لعل الصبي بال هاهنا، فقالت: لا، هذا من أثر دموع الشيخ في سجوده، وهكذا يصبح كل يوم.

وقال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك ورأي الرجال وإن زخرفوه بالقول; فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريق مستقيم.

وقال أيضًا: اصبر على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل ما قالوا، وكف عما كفوا، وليسعك ما وسعهم.

وكان يقول: العلم ما جاء عن أصحاب محمد، وما لم يجئ عنهم فليس بعلم.

وكان يقول: لا يجتمع حب علي وعثمان إلا في قلب مؤمن، وإذا أراد الله بقوم شرًا فتح عليهم باب الجدل وسد عنهم باب العمل.
وخرج يومًا من باب مسجد بيروت، وهناك دكان فيه ناطف، وإلى جانبه رجل يبيع البصل وهو يقول: يا أحلى من الناطف، فقال: سبحان الله! ما يرى هذا بالكذب بأسًا؟.


وكان يقول: كنا قبل اليوم نضحك ونلعب، أما إذ صرنا أئمة يقتدى بنا فينبغي أن نتحفط.
وكتب إلى أخ له: أما بعد، فقد أحيط بك من كل جانب، وإنه يسار بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والقيام بين يديه.
ومع ذلك  كان من أكرم الناس وأسخاهم، وكان له في بيت المال على الخلفاء إقطاع، فصار إليه من بني أمية، وبني العباس نحو من سبعين ألف دينار، فلم يقتن منها شيئًا، ولا ترك يوم مات سوى سبعة دنانير، كان ينفقها في سبيل الله وفي الفقراء.

أصعب موقف في حياته:

 لما دخل عبد الله بن علي دمشق، وسلب الملك من بني أمية طلب الأوزاعي، فتغيب عنه ثلاثة أيام، ثم أحضر بين يديه.
قال: دخلت عليه وهو على سرير وفي يده خيزرانة، والجنود عن يمينه وشماله، معهم السيوف مصلتة والعمد الحديد، فسلمت فلم يرد، ونكت بتلك الخيزرانة التي في يده، ثم قال: يا أوزاعي، ما ترى فيما صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة أرباط هو؟
 قال: فقلت: أيها الأمير، سمعت يحيى بن سعيد الأنصاري يقول: سمعت محمد بن إبراهيم التيمى يقول: سمعت علقمة بن وقاص يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» .

 قال: فنكت بالخيزرانة أشد مما كان ينكت، وجعل من حوله يعضون أيديهم، ثم قال: يا أوزاعي، ما تقول في دماء بني أمية؟ فقلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث; النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة».

فنكت أشد من ذلك، ثم قال: ما تقول في أموالهم؟ فقلت: إن كانت في أيديهم حرامًا فهي حرام عليك أيضًا، وإن كانت لهم حلالاً فلا تحل لك إلا بطريق شرعي.

فنكت أشد مما كان ينكت قبل ذلك، ثم قال: ألا نوليك القضاء؟ فقلت: إن أسلافك لم يكونوا يشقون علي في ذلك، وإني أحب أن يتم ما ابتدأوني به من الإحسان.

 فقال: كأنك تحب الانصراف؟ فقلت: إن ورائي حرمًا، وهم محتاجون إلى القيام عليهم وسترهم.
 قال: وانتظرت رأسي أن يسقط بين يدي، فأمرني بالانصراف، فلما خرجت إذا رسوله من ورائي، وإذا معه مائتا دينار، فقال: يقول لك الأمير: أنفق هذه، قال: فتصدقت بها.
وكان في تلك الأيام الثلاثة صائمًا طاويًا، فيقال: إن الأمير لما بلغه ذلك عرض عليه الإفطار عنده، فأبى أن يفطر عنده.

موقفه مع أبي جعفر المنصور:
وقد اجتمع الأوزاعي بالمنصور حين دخل الشام ووعظه، وأحبه المنصور وعظمه، ولما أراد الانصراف استأذنه في أن لا يلبس السواد فأذن له، فلما خرج قال المنصور للربيع الحاجب: الحقه فسله لم كره لبس السواد؟ ولا تخبره أني قلت لك. فسأله الربيع فقال: لأني لم أر محرمًا أحرم فيه، ولا ميتًا كفن فيه، ولا عروسًا جليت فيه، فلهذا أكرهه.
وقد كان الأوزاعي في الشام معظمًا مكرمًا، أمره أعز عندهم من أمر السلطان، وهم به بعض الولاة، فقال له أصحابه: دعه عنك فوالله لو أمر الشاميين أن يقتلوك لقتلوك.

وفاته:
قال رجل: كنت جالسًا عند الثوري، فجاءه رجل، فقال: رأيت كأن ريحانة من المغرب قلعت. قال: إن صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي.

 فكتبوا ذلك، فجاء موت الأوزاعي في ذلك اليوم أو في تلك الليلة.

وقال أبو مسهر: بلغنا أن سبب موت الأوزاعي أن امرأته أغلقت عليه باب حمام، فمات فيه، ولم تكن عامدة لذلك، فأمرها سعيد بن عبد العزيز بعتق رقبة.
وقيل: كان الذي أغلق عليه باب الحمام صاحب الحمام، وذهب إلى حاجة، ثم جاء ففتح الحمام، فوجده ميتًا قد وضع يده اليمنى تحت خده وهو مستقبل القبلة.

ولم يترك ذهبًا ولا فضة ولا عقارًا ولا متاعًا، إلا ستة دنانير فضلت من عطائه، وكان قد اكتتب في ديوان الساحل.

ولا خلاف أنه مات ببيروت مرابطًا، في سنة خمسين ومائة، وقد قارب السبعين عامً ، وقد رآه بعضهم في المنام، فقال له: دلني على عمل يقربني إلى الله؟

 فقال: ما رأيت في الجنة درجة أعلى من درجة العلماء، ثم المحزونين.

ولما مات جلس عند قبره بعض الولاة، فقال: رحمك الله، فوالله لقد كنت أخاف منك أكثر مما أخاف من الذي ولاني.

اضافة تعليق