أنشأ حديقة لرؤوس خصومه..هذه هي القصة؟

الإثنين، 29 أكتوبر 2018 11:54 ص
21-copy

تذكر الحدائق، فتذكر الراحة والسرور والطمأنينة، لكن يذكر القتل والتنكيل وقطع الرؤوس، ووضعها في حديقة، هذا أمر لم نسمع عنه إلا في حديقة "المعتضد بن عباد" والد المعتمد بن عباد شاعر الأندلس الأول، وأكبر ملوك الطوائف على أرض الأندلس.


صفاته:يقول ابن حيان مؤرخ الأندلس الكبير عن المعتضد: "إن المعتضد كان يتخذ سيرة سميه الخليفة المعتضد بالله العباسي قدوة له، ويهتدي بأخباره السياسية، التي أضحت عند أهل النظر أمثلة هادية إلى الاحتواء على أمد الرياسة، في صلابة العصا، وشناعة السطا، فجاء منها بمهولات تذعر من سمع بها، فضلاً عمن عاينها".

وقد أنفق المعتضد بن عباد معظم حكمه في محاربة جيرانه من أمراء الطوائف، وكشف في محاربتهم عن قوة عزمه، وضخامة عدته، وإحكام خططه، ولكنه كشف في نفس الوقت عن قسوته وغدره، وروعة وسائله، وعلى أي حال فقد استطاع المعتضد بهذه الوسائل المثيرة أن يحقق أطماعه، وأن ينشىء مملكة إشبيلية الكبرى، أعظم ممالك الطوائف، وأن يوطد بها ملك أسرته، وأن يسبغ عليها نوعاً من الزعامة السياسية والأدبية لاسبانيا المسلمة كلها.

وعن سياسته يقول ابن حيان: "وسياسته أعيت على أنداده من أملاك الأندلس، فخرج منهم رجالا مساعير حرب أباد بهم أقتاله، ومن نادر أخباره المتناهية الغرابة، أن نال بغيته، وأهلك تلك الأمم العاتية، وإنه لغائب عن مشاهدتها، مترفه عن مكابدتها، مدبر فوق أريكته".

حديقة الرؤوس المحنطة:
هي حديقة جمع فيها رؤوس أعدائه الذين سقطوا في ساحة الحرب، أو قتلوا غيلة، وحملت إليه رؤوسهم.
وكان له بهذه الحديقة التي تملأ قلوب البشر ذعرًا، مباهاة أكرم لديه من خزانة جواهر مكنونة، وقد أودعها هام الملوك الذين أبادهم بسيفه، فخص رؤوسهم بالصون بعد إزالة جسومهم الممزقة، وبالغ في تطييبها وتنظيفها، وأودعها المصاون الحافظة لها، فبقيت عنده ثارية تجيب سائلها اعتبارًا.

يقول ابن حيان: إن هذه الرؤوس الفانية كانت تحمل إلى المعتضد في ليالي أنسه وسروره، يشاهدها وهو يترع كؤوس الراح، فترتاح نفسه لمعاينتها، والخلق يذعرون من التماحها.

بينما يضيف ابن بسام صاحب "الذخيرة"، قائلاً: إلى ذلك أنه لما افتتحت اشبيلية، وخلع المعتمد بن عباد، عثر المرابطون بهذه الرؤوس في جوالق وأوعية، ظن في البداية أن بها أموال أو جواهر، فهالهم الأمر، وسلم كل رأس منها لمن بقي من عقب أصحابها.

حياته الأدبية:
وعلى الرغم من هذه النواحي القاتمة في حياة المعتضد، فقد كانت ثمة في هذه الشخصية نواح أخرى لامعة عنى ابن حيان أيضًا بالإشارة إليها.

من ذلك ما سمت إليه همته من إنشاء القصور الباذخة، والرباع العظيمة المغلة، وما عنى به من تنظيم بلاط بني عباد، وتجهيزه بالعدد والمظاهر الملوكية الفخمة، ونفيس المتاع والرياش، حتى غدا أعظم وأفخم بلاط بين قصور الطوائف.

وقد اشتهرت قصور بني عباد في التاريخ والشعر، وقد كانت منها بمدينة إشبيلية قاعدة ملكهم عدة، منها قصر الإمارة وهو "القصر المبارك"، وهو القصر الذي كان يتخذه المعتضد، ومن بعده ولده المعتمد، مكانًا للهو والقصف، وقد كان يقع على الضفة الأخرى من النهر الكبير، وتحيط به حدائق غناء.
العجيب أنه كان قد أوتي من جمال الصورة، وتمام الخلقة، وفخامة الهيئة، وسباطة البيان، وثقوب الذهن، وحضور الخاطر، ما فاق به أيضًا على نظرائه".

وقد اشتهر المعتضد بشغفه بالنساء، فكان إلى جانب زوجه الحسناء الأثيرة لديه، ابنة مجاهد العامري يقتني في قصوره الفخمة، عددًا كبيرًا من الجواري البارعات في الحسن والسحر، من سائر الأجناس والملل، بلغ عددهن حسبما قيل، نحوًا من السبعين، وكان له من الولد الذكور نحو العشرين، وكذلك مثلهم من الإناث.

وكانت هناك صفة لامعة، تبعث إلى الإعجاب والعطف في تلك الشخصية التي لا توحي معظم صفاتها إلا شعور المقت والروع، تلك هي أدبه الرفيع ونظمه الرائق، حيث كان لأهل الأدب عنده سوق نافقة، وله في ذلك همة عالية، ألف له الأعلم أديب عصره، ولغوي زمانه، شرح الأشعار الستة، وشرح الحماسة، وألف له غيره دواوين وتصانيف لم تخرج إلى الناس.

وبالجملة يعتبر الأدب والشعر من محاسن الأسرة العبادية ومآثرها العريقة، فقد نبغ معظم رجالاتها في النثر والنظم، ولم تكن براعة المعتضد في الشعر إلا قبساً من تراث أسرته؛ ولقد بلغ ولده المعتمد، فيما بعد، في عالم الشعر أسمى مراتبه، وكان من أعظم شعراء الأندلس في عصره.

وتوفي المعتضد بن عباد في الثاني من جمادى الآخرة سنة إحدى وستين وأربعمائة (مارس 1069 م).

ويقول ابن حيان: إن وفاته كانت بسبب ذبحة قصيرة الأمد، ترتبت على الإجهاد، وكانت شبه البغت، وكانت حكمه زهاء ثمانية وعشرين عامًا.

اضافة تعليق