الإمام مالك.. لن تصدق ما حدث له في هذه المحنة؟

السبت، 27 أكتوبر 2018 11:04 ص
0


لا أحد ينكر فضل الأئمة الأربعة (أبو حنيفة-  مالك – الشافعي – وأحمد بن حنبل)، وما قدموه من العلم النافع للأمة الإسلامية، حيث صاروا مرجعية لكل مسلم في الفقه وأصوله.


الأئمة لم تفرش لهم الورود علي الدوام في عصورهم، بل تعرضوا للكثير من الدسائس والاضطهادات، ومن بين هؤلاء ما تعرض له الإمام العالي وإمام دار الهجرة "مالك بن أنس".

وصل الإمام مالك بن أنس الأصبحي المدني إلى رتبة "إمام دار الهجرة" وأحد الأئمة الأعلام، حتي قال عن نفسه: "قلّ رجل كنت أتعلم منه ومات حتى يجيئني ويستفتيني".

وقال تلميذه ابن وهب: سمعت مناديًا ينادي بالمدينة: "ألا لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن أبي ذئب".

وكان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدث، فقيل له في ذلك فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحدث به إلا متمكنًا على طهارة، وكان يكره أن يحدث على الطريق أو قائمًا أو مستعجلاً، ويقول: أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه، ويقول: "لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفونة"، ومع كل هذا الفضل والمناقب فقد سعي به عند السلطان وطالته المحنة.

محنة مالك:


سعي به إلى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس رضي الله عنهما، وهو ابن عم أبي جعفر المنصور، وقالوا له: إنه لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، فغضب جعفر، ودعا به وجرده وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه، وارتكب منه أمرًا عظيمًا، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة وكأنما كانت السياط حُليّا حُليّ به.

وذكر الإمام ابن الجوزي البغدادي في شذور العقود أنه في سنة سبع وأربعين ومائة من الهجرة: "ضرب مالك بن أنس سبعين سوطًا لأجل فتوى لم توافق غرض السلطان".


ويروي "الذهبي" في تاريخه: أن أبا جعفر المنصور نهى مالكًا عن الحديث: (ليس على مستكره طلاق)، ثم دس إليه من يسأله، فحدثه به على رؤوس الناس، فضربه بالسياط".

وتسبب في أثر هذه الواقعة أنه كان ينظر إلى مالك إذا أقيم من مجلسه، حمل يده بالأخرى.

كما روي الواقدي صاحب "المغازي والسير": أنه لما دعي مالك، وشوور، وسمع منه، وقبل قوله، حسد، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة، سعوا به إليه، وكثروا عليه عنده، وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره: أنه لا يجوز عنده.

قال: فغضب جعفر، فدعا بمالك، فاحتج عليه بما رفع إليه عنه، فأمر بتجريده، وضربه بالسياط، وجذبت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو.

يقول الذهبي: هذا ثمرة المحنة المحمودة، أنها ترفع العبد عند المؤمنين، وبكل حال فهي بما كسبت أيدينا، ويعفو الله عن كثير: "ومن يرد الله به خيرًا، يصب منه".

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل قضاء المؤمن خير له"، وقال الله -تعالى-: "ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين"، وأنزل تعالى في وقعة "أحد" قوله: "أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها، قلتم: أنى هذا؟ قل: هو من عند أنفسكم".

فالمؤمن إذا امتحن صبر واتعظ واستغفر، ولم يتشاغل بذم من انتقم منه، فالله حكم مقسط، ثم يحمد الله على سلامة دينه، ويعلم أن عقوبة الدنيا أهون وخير له.

وعن الفضل بن زياد: سألت أحمد بن حنبل: من ضرب مالكًا؟ قال: بعض الولاة في طلاق المكره، كان لا يجيزه، فضربه لذلك.

وروي بعض أصحاب ابن وهب – تلميذ مالك- : أن مالكًا لما ضرب، حلق، وحمل على بعير، فقيل له: ناد على نفسك.

فقال: "ألا من عرفني، فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا مالك بن أنس، أقول: طلاق المكره ليس بشيء"، فبلغ ذلك جعفر بن سليمان الأمير، فقال: أدركوه، أنزلوه.

فضله:


قيل لمالك: ما تقول في طلب العلم؟، قال: حسن، جميل، لكن انظر الذي يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسي، فالزمه.


وعن ابن وهب: سئل مالك عن الداعي يقول: يا سيدي، فقال: يعجبني دعاء الأنبياء: ربنا، ربنا.

وقال عبد الله بن المبارك: ما رأيت أحدًا ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة.

يقول الذهبي: ما كان عليه من العلم ونشره أفضل من نوافل الصوم والصلاة لمن أراد به الله.

وكان مالك يجلس في منزله على ضجاع ونمارق مطروحة يمنة ويسرة في سائر البيت لمن يأتي، وكان مجلسه مجلس وقار وحلم، وكان مهيبا، نبيلا، ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط.

وكان الغرباء يسألونه عن الحديث بعد الحديث، وربما أذن لبعضهم، فقرأ عليه، وكان له كاتب يقال له: حبيب، قد نسخ كتبه، ويقرأ للجماعة، فإذا أخطأ فتح عليه مالك، وكان ذلك قليلا .

قال ابن سعد صاحب الطبقات : كان مالك ثقة، ثبتا، حجة، عالما، ورعا، وقال ابن وهب: لولا مالك والليث، لضللنا.

وقال الشافعي: ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابًا من (موطأ مالك).
يقول الذهبي: هذا قاله قبل أن يؤلف (الصحيحان).

مالك وأبو جعفر المنصور:

يقول الإمام مالك كما روي عنه أنه لما حج المنصور، دعاني، فدخلت عليه، فحادثته، وسألني، فأجبته، فقال: عزمت أن آمر بكتبك هذه -يعني: (الموطأ) - فتنسخ نسخًا، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ويتركوا ما سوى ذلك من العلم المحدث، فإني رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم.

قال مالك : يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الناس قد سيقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سيق إليهم، وعملوا به، ودانوا به، من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم.


وقال له أيضًا: قد رسخ في قلوب أهل كل بلد ما اعتقدوه وعملوا به، ورد العامة عن مثل هذا عسير.

يقول الإمام مالك أيضًا: دخلت على أبي جعفر، فرأيت غير واحد من بني هاشم يقبلون يده، وعوفيت، فلم أقبل له يدًا.

وقال موسى بن داود: سمعت مالكا يقول: قدم علينا أبو جعفر المنصور سنة خمسين ومائة، فقال: يا مالك كثر شيبك!، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، من أتت عليه السنون، كثر شيبه، قال: ما لي أراك تعتمد على قول ابن عمر من بين الصحابة؟، قلت: كان آخر من بقي عندنا من الصحابة، فاحتاج إليه الناس، فسألوه، فتمسكوا بقوله.

وروي أبو حاتم الرازي: حدثنا عبد المتعال بن صالح من أصحاب مالك، قال: قيل لمالك: إنك تدخل على السلطان، وهم يظلمون، ويجورون، فقال: يرحمك الله، فأين المكلم بالحق.

وقد سمع مالكًا يقول: شاورني هارون الرشيد في ثلاثة: في أن يعلق (الموطأ) في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه، وفي أن ينقض منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجعله من ذهب وفضة وجوهر، وفي أن يقدم نافعًا إمامًا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: أما تعليق (الموطأ) ، فإن الصحابة اختلفوا في الفروع، وتفرقوا، وكل عند نفسه مصيب، وأما نقض المنبر، فلا أرى أن يحرم الناس أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما تقدمتك نافعا، فإنه إمام في القراءة، لا يؤمن أن تبدر منه بادرة في المحراب، فتحفظ عليه.

فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله.


يقول الذهبي: هذا إسناد حسن، لكن لعل الراوي وهم في قوله: هارون؛ لأن نافعًا مات قبل خلافة هارون.

مرضه ووفاته:


روي الواقدي- عميد المغازي- : كان مالك يأتي المسجد، ويشهد الصلوات والجمعة والجنائز، ويعود المرضى ويقضي الحقوق ويجلس في المسجد،  ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد فكان يصلي وينصرف إلى مجلسه، وترك حضور الجنائز فكان يأتي أصحابها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة ولا يأتي أحدًا يعزيه ولا يقضي له حقا، واحتمل الناس له ذلك حتى مات عليه، وكان ربما قيل له في ذلك فيقول: ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره.


يقول أحد الرواة: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلمت عليه، ثم جلست فرأيته يبكي، فقلت: يا أبا عبد الله، ما الذي يبكيك قال فقال لي: يا ابن قعنب، وما لي لا أبكي ومن أحق بالبكاء مني، والله لوددت أني ضربت لكل مسألة أفتيت فيها برأيي بسوط سوط، وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي، أو كما قال.


وكانت وفاته بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ودفن بالبقيع، جوار إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان شديد البياض إلى الشقرة، طويلاً عظيم الهامة أصلع، يلبس الثياب الجياد، ويكره حلق الشارب ويعيبه ويراه من المثلة، ولا يغير شيبة.

اضافة تعليق