100 ركعة صلاة.. عقوبة للشعراء

الجمعة، 26 أكتوبر 2018 03:07 م
20

تناقلت كتب الأدب الكثير عن الشعراء وعلاقتهم بالأمراء والسلاطين، نظرًا لأن الشعراء كانوا أكثر الناس دخولاً عليهم، وكانوا يفتحون أبوابهم أماهم لأجل المسامرة، كما أنهم كانوا هم قنوات الإعلام المتنقلة والناقلة للأخبار.

لكن كان يدخل بينهم من كان لا يحسن الشعر، أو ممن ليس من أصحاب الإجادات، فكان يسأم منه السلاطين والأمراء، حتى وضع أحدهم شرطًا أن من أنشد قصيدة، ولم تعجبه أمر جنوده بأخذه إلى المسجد، ولا يترك حتى يتم صلاة 100 ركعة.
أصل القصة:
كان "أحمد بن المدبر" إذا مدحه شاعر، ولم يعجب بشعره أمر غلمانه أن يمضوا به إلى المسجد فلا يفارقوه حتى يصلي مائة ركعة، فكان هذا دأبه؛ قال: فتحاماه الشعراء، إلا الأفراد المجيدين، فأتاه أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجمل فاستأذنه في النشيد فقال له: عرفت الشرط قال: نعم، فأنشده:
أردنا في أبي حسن مديحًا ..   كما بالمدح تنتجع الولاة
فقلنا أكرم الثقلين طراً ...     ومن كفيه دجلة والفرات
فقالوا يقبل المدحات لكن ... جوايزه عليهن الصلاة
فقلت لهم وما يغني عيالي ...  صلاتي إنما الشأن الزكاة
فيأمرني بكسر الصاد منه...  فتصبح لي الصلاة هي الصلات
 فضحك ابن المدبر وقال: من أين أخذت هذا ومن أين وقع لك فقال: أخذته من قول أبي تمام:
هن الحَمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حِمام
قال: فأعجبه صدقه ووصله.

وروى يموت بن المزرع – ابن أخت الجاحظ -  كان إذا مدحه شاعر فلم يرض شعره قال لغلامه: امض به إلى المسجد الجامع ولا تفارقه حتى يصلي مائة ركعة ثم أطلقه، فتحاماه الشعراء إلا الأفراد المجيدين، فجاءه أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجمل، فاستأذنه في النشيد وذكر القصة.
وكان أحمد بن المدبر يتولى الخراج بمصر، فحبسه أحمد بن طولون في سنة خمس وستين ومائتين، ومات في حبسه في صفر سنة سبعين ومائتين، وقيل بل قتله ابن طولون.

ابن بابَك
شاعر وقته، أبو القاسم عبد الصمد بن منصور بن الحسن بابك الشاعر المشهور؛ أحد الشعراء المجيدين المكثرين، طوف النواحي، ومدح الكبار، له ديوان شعر في ثلاث مجلدات، وله أسلوب رائق في نظم الشعر، وجاب البلاد، ولقي الرؤساء، ومدحهم، وأجزلوا جائزته.
ولما قدم على الصاحب بن عباد قال له: أأنت ابن بابك الشاعر- بفتح الباء-  فقال: أنا ابن بابِك، - بكسرها-  فاستحسن قوله وأجازه وأجزل صلته.

أبو الحسن محمد بن يعقوب البغدادي:
كانت له علاقة قوية بوزير عضد الدولة، فلما غضب عضد الدولة على وزيره، قتله وصلبه، فحزن الشاعر لأجل مخدومه، فكتب مرثية طنانة فيه قائلاً:
علو في الحياة وفي الممات ... لحق أنت إحدى المعجزات
إلي أن قال:
ولم أر قبل جذعك قط جذعًا ... تمكن من عناق المكرمات

ولما صنع أبو الحسن المرثية التائية كتبها ورماها في شوارع بغداد، فتداولتها الأدباء، إلى أن وصل الخبر إلى عضد الدولة، فلما أنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب دونه.
 فقال: عليّ بهذا الرجل، فطلب سنة كاملة، واتصل الخبر بالصاحب ابن عباد وهو بالري فكتب له الأمان، فلما سمع أبوالحسن ابن الأنباري بذكر الأمان قصد حضرته، فقال له: أنت القائل هذه الأبيات قال: نعم، قال: أنشدنيها من فيك.
 فلما أنشد:"ولم أر قبل جذعك قط جذعًا... تمكن من عناق المكرمات"،  قام إليه الصاحب وعانقه وقبل فاه، وأنفذه إلى عضد الدولة، فلما مثل بين يديه قال له: ما الذي حملك على مرثية عدوي فقال: حقوق سلفت وأياد مضت، فجاش الحزن في قلبي فرثيت.

فقال: هل يحضرك شيء في الشموع، والشموع تزهر بين يديه، فأنشأ يقول:
كأن الشموع وقد أظهرت ... من النار في كل رأس سنانا
أصابع أعدائك الخائفين ... تضرع تطلب منك الأمانا
 فلما سمعها خلع عليه وأعطاه فرسًا وأكرمه.

اضافة تعليق