"لا تكن أمعة"... لكن وطن نفسك على قول النبي

الجمعة، 26 أكتوبر 2018 01:43 م
لا تكن من غزية


يقول الشاعر دريد بن الصمة "وما أنا إلا من غزية إن غوت... غويت وإن ترشد غزية أرشد".

لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان رأيه مخالفًا لما قال الشاعر، فقد نصح النبي الناس على أن يوطنوا أنفسهم على الخير.

فعن حذيفة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تكونوا إمعة ً تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وَطنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا".

فكثير من الناس يبرر لنفسه فعل الخطأ، فيأكل من حرام ويسير في الحرام، ويفعل الحرام، ثم يقول أنا من حرام، ويجعل من هذا الحرام مبررا للاستمرار فيه.

إذا نظرت لبعض الموظفين المرتشين، تجد أن مبرراتهم واحدة، هي قلة الراتب وصعوبة الظروف، فيتخذون من هذا المبرر دافعًا لهم في الرشوة، ويزعمون أن ظروفهم والمجتمع هو من دفعهم لهذا، وأنهم لا يملكون مفاتح تغيير هذا الكون وهذه الظروف التي نشأوا عليها.

فالإنسان كائن متحرك بالإرادة، كما عرفه الكثير من رجال الفلسفة وفرسانها، ومعنى هذا التعريف: أن الإرادة هى التى تميزه عن غيره من الكائنات، فإذا سُلبت منه الإرادة كان إنسانًا بلا إنسانية وشخصًا بلا هوية.

ووقتها يتحرك كما يتحرك الحيوان كيفما اتفق، لا يدرى ماذا يفعل؟ ولماذا فعل؟ ولم فعل؟ وكيف يفعل؟، وينقاد بهواه لا بعقله، وينساق وراء شهواته وملذاته بلا وعى، ولا إدراك ولا رابط يمنعه عن غَيه، ولا ضابط يحجزه عن سفهه وعندئذ يكون أضل من الحيوان سبيلاً، وأحط منه شأنًا.

ولا يصح من الإنسان إلا  الرشد كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أما إذا جهل الجاهلون فلا يجب أن يجهل معهم وأن يكون حصيفا في سلوكه ومنطقه، ولكنه إذا جهل مع الجاهلين والذين هم كما قال الشاعر من غزية فهذا دليل على ان محيطه جاهل، وهو يجهل مع جهلهم.

فيصبح كما قال الشاعر عمرو بن كلثوم:

ألاَ لاَ يَجْهَلْنَ أَحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينا


وكلف الله الإنسان بعد أن جعل له إرادة كامله، فهو جل شأنه لم يكلفه إلا إذا بلغ الحُلمُ، وكان عاقلاً مختارًا غير مُكره، فإذا أُصيب بالجنون ارتفع عنه التكليف.

لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رُفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يُفيق، والصبي حتى يحتلم". وقال صلى الله عليه وسلم: "وُضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه".

ولكن إذا أُكره الإنسان على فعل شيء لم يكن له إرادة، وإن كان له عقل، فالإرادة إذًا أعم من العقل في التكليف، فلا يعاقب الله عبدًا على ذنب إلا إذا اقترفه بإرادته من غير قهر ولا إكراه.

وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كنا في الجاهلية نعد الإمعة الذي يتبع الناس إلى الطعام من غير أن يدعى، وإن الإمعة فيكم اليوم المحقب الناس دينه".

وعن مقاتل بن حيان قال: أهل هذه الأهواء آفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنهم يذكرون النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته فيتصيدون بهذا الذكر الحسن الجهال من الناس، فيقذفون بهم في المهالك.

وعن الفضيل بن عياض رحمه الله قال: اتبع طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين.

وقال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾.

اضافة تعليق