سمعت عن "الحسن والحسين".. لكن هل تعرف أن لهما أخًا ثالثُا؟

الخميس، 25 أكتوبر 2018 02:36 م
21-copy


ربما كان الصحابيَيْن الجليلين الحسن والحسين هما الأكثر شهرة بين أبناء الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، نظرًا لكونهما سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابني السيدة فاطمة الزهراء، لكن ما لا يعرفه الكثيرون أن لهما أخًا غير شقيق يدعى محمد بن علي، المعروف بـ "ابن الحنفية".


ابن الحنفية:


أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، المعروف بـ "ابن الحنفية"، أمه الحنفية خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة بن ثعلبة من بني حنيفة، ويقال بل كانت من سبي اليمامة، وصارت إلى علي رضي الله عنه، وقيل بل كانت سندية سوداء، وكانت أمة لبني حنيفة ولم تكن منهم، وإنما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق، ولم يصالحهم على أنفسهم.

أما كنيته بأبي القاسم، فيقال إنها رخصة من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإنه قال لعلي رضي الله عنه: سيولد لك بعدي غلام وقد نحلته اسمي وكنيتي ولا تحل لأحد من أمتي بعده.


وكان كثير العلم والورع، شديد القوة، وله في ذلك أخبار عجيبة، منها أن أباه عليًا، رضي الله عنه، استطال درعًا كانت له، فقال: لينقص منها كذا وكذا حلقة، فقبض محمد إحدى يديه على ذيلها والأخرى على ضلها، ثم جذبها فقطع من الموضع الذي حدده أبوه.

وكان عبد الله بن الزبير، إذا حدث بهذا الحديث غضب واعتراه "إفكل"، وهو الرعدة، لأنه كان يحسده على قوته، وكان ابن الزبير أيضًا شديد القوى.

ومن ذلك أيضًا، أن ملك الروم في أيام معاوية وجه إليه: إن الملوك قبلك كانت تراسل الملوك منا، أفتأذن في ذلك فأذن له، فوجه إليه برجلين أحدها طويل جسيم، والآخر "أيد"، فقال معاوية لعمرو بن العاص: أما الطويل فقد أصبنا كفؤه، وهو قيس بن سعد بن عبادة رصي الله عنه، وأما الآخر الأيد، فقد احتجنا إلى رأيك فيه، فقال عمرو: ها هنا رجلان كلاهما إليك بغيض: محمد بن الحنفية وعبدالله بن الزبير، فقال معاوية: من هو أقرب إلينا على كل حال، فلما دخل الرجلان وجه إلى قيس بن سعد بن عبادة يعلمه، فدخل قيس، فلما مثل بين يدي معاوية نزع سراويله، فرمى بها إلى العلج فلبسها فبلغت ثندوته، فأطرق مغلوبًا، فقيل إن قيسًا لاموه في ذلك، وقيل له: لم تبذلت

هذا التبذل بحضرة معاوية هلا وجهت إليه غيرها فقال:

أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود

وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عادي نمته ثمود

وإني من القوم اليمانين سيد ... وما الناس إلا سيد ومسود

ثم وجه معاوية إلى محمد بن الحنفية فحضر، فخبر بما دعي له، فقال: قولوا له إن شاء، فليجلس وليعطني يده حتى أقيمه أو يقعدني، وإن شاء فليكن القائم وأنا القاعد، فاختار الرومي الجلوس فأقامه محمد، وعجز الرومي عن إقعاده، ثم اختار أن يكون محمد هو القاعد، فجذبه محمد فأقعده، وعجز الرومي عن إقامته، فانصرفا مغلوبين.

حياته السياسية:


وكانت راية أبيه يوم "صفين" بيده، ويحكى أنه توقف أول يوم في حملها لكونه قتال المسلمين، ولم يكن قبل ذلك شهد مثاله، فقال له علي رضي الله عنه: هل عندك شك في جيش مقدمه أبوك فحملها.


 وقيل له: كيف كان أبوك يقحمك المهالك ويولجك المضايق دون أخويك الحسن والحسين فقال: لأنهما كانا عينيه، وكنت يديه، فكان يقي عينيه بيديه.

ومن كلامه: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله له فرجًا.

ولما دعا ابن الزبير إلى نفسه وبايعه أهل الحجاز بالخلافة دعا عبدالله بن العباس ومحمد بن الحنفية رضي الله عنهما إلى البيعة، فأبيا ذلك، وقالا: لا نبايعك حتى تجتمع لك البلاد، ويتفق الناس، فأساء جوارهم وحصرهم وآذاهم، وقال لهما: لئن لم تبايعا أحرقتكما بالنار.

ولما صار محمد بن علي إلى المدينة، وبنى داره بالبقيع، كتب إلى عبد الملك يستأذنه في الوفود عليه، فأذن له، فوفد عليه في سنة ثمان وسبعين إلى دمشق، فأنزله بقربه.


وكان يدخل على عبد الملك في إذن العامة، فيسلم مرة ويجلس، ومرة ينصرف، فلما مضى شهر، كلم عبد الملك خاليًا، فذكر قرابته ورحمه، وذكر دينًا، فوعده بقضائه، ثم قضاه، وقضى جميع حوائجه.

يقول الذهبي: كان مائلاً لعبد الملك؛ لإحسانه إليه، ولإساءة ابن الزبير إليه. قال ابن الحنفية: وفدت على عبد الملك، فقضى حوائجي، وودعته، فلما كدت أن أتوارى، ناداني: يا أبا القاسم، يا أبا القاسم، فرجعت، فقال: أما إن الله يعلم أنك يوم تصنع بالشيخ ما تصنع ظالم له -يعني: لما أخذ يوم الدار مروان، فدغته  بردائه-، قال عبد الملك: وأنا أنظر يومئذ ولي ذؤابة.

ولم يبايع الحجاج، وبعد قتل ابن الزبير، بعث الحجاج إليه: أن قد قتل عدو الله، فقال: إذا بايع الناس، بايعت، قال: والله لأقتلنك. قال: إن لله في كل يوم ثلاث مائة وستين نظرة، في كل لحظة ثلاث مائة وستون قضية، فلعله أن يكفيناك في قضية من قضاياه.

وكتب الحجاج فيه إلى عبد الملك بذلك، فأعجب عبد الملك قوله، وكتب إلى الحجاج: قد عرفنا أن محمدًا ليس عنده خلاف، فارفق به، فسيبايعك.

فلما اجتمع الناس على عبد الملك، وبايع له ابن عمر، قال ابن عمر لمحمد: ما بقي شيء، فبايع.

فكتب بالبيعة إلى عبد الملك، وهي: أما بعد، فإني لما رأيت الأمة قد اختلفت، اعتزلتهم، فلما أفضى الأمر إليك، وبايعك الناس، كنت كرجل منهم، فقد بايعتك، وبايعت الحجاج لك، ونحن نحب أن تؤمننا، وتعطينا ميثاقا على الوفاء، فإن الغدر لا خير فيه.

فكتب إليه عبد الملك: إنك عندنا محمود، أنت أحب إلينا، وأقرب بنا رحما من ابن الزبير، فلك ذمة الله ورسوله أن لا تهاج ولا أحد من أصحابك بشيء .

زعم خطير:

والفرقة الكيسانية تعتقد إمامته وأنه مقيم بجبل رضوى، وإلى هذا أشار كثير عزة بقوله من جملة أبيات، وكان كيساني الاعتقاد :


وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمها اللواء

تغيب لا يرى فيهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء

وكان المختار بن أبي عبيد الثقفي يدعو الناس إلى إمامة محمد بن الحنفية، ويزعم أنه المهدي، والكيسانية يزعمون أنه مقيم برضوى في شعب منه ولم يمت، دخل إليه ومعه أربعون من أصحابه، ولم يوقف لهم على خبر وهم أحياء يرزقون، ويقولون إنه مقيم في هذا الجبل بين أسد ونمر، وعنده عينان نضاختان تجريان عسلا وماء، وإنه يرجعه إلى الدنيا فيملؤها عدلا .


وكانت ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وتوفي رحمه الله في أول المحرم سنة إحدى وثمانين للهجرة، وقيل سنة ثلاث وثمانين بالمدينة، وصلى عليه أبان بن عثمان بن عفان، وكان والي المدينة يومئذ، ودفن بالبقيع، وقيل إنه خرج إلى الطائف هاربًا من ابن الزبير فمات هناك.

اضافة تعليق