"الطائي" رمز "الكرم" عند العرب. فمن هو إذن رمز "الحلم"؟

الخميس، 25 أكتوبر 2018 12:44 م
الأحنف-0


إذا كان يضرب المثل بحاتم الطائي في الكرم عند العرب، فإن الأحنف بن قيس صار مضرب الأمثال في الحلم، وعلى الرغم أنه أدرك عهد النبي صلي الله عليه وسلم ، لكنه لم يصحبه، وصار من كبار وسادات التابعين.

العجيب أنه كان أحلم العرب وشخصًا مهيبًا في النفوس، لكن كان مصابًا بالكثير من الإعاقة الجسدية، والتي لم تقف عائقًا، في أن يحفر لنفسه مكانة وسؤددًا بين الكبار.

 الأحنف بن قيس:

أبو بحر الضحاك بن قيس بن معاوية بن التميمي المعروف بـ""الأحنف بن قيس"، وقيل اسمه "صخر"، وهو الذي يضرب به المثل في الحلم، كان من سادات التابعين رضي الله عنهم؛ أدرك عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصحبه وشهد بعض الفتوحات.

لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بنو تميم يدعوهم إلى الإسلام كان الأحنف فيهم، ولم يجيبوا إلى اتباعه، فقال لهم الأحنف: إنه ليدعوكم إلى مكارم الأخلاق وينهاكم عن ملائمها، فأسلموا وأسلم الأحنف ولم يفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان زمن عمر رضي الله عنه وفد عليه.
 وكان من جلة التابعين وأكابرهم، وكان سيد قومه، موصوفًا بالعقل والدهاء والعلم والحلم.


شهد مع الإمام علي رضي الله عنه موقعة "صفين"، ولم يشهد موقعة "الجمل" مع أحد الفريقين، وشهد بعض فتوحات خراسان في زمن عمر وعثمان، رضي الله عنهما.

مواجهة مع معاوية:


 ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه يومًا، فقال له معاوية: والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حزازة في قلبي إلى يوم القيامة، فقال له الأحنف: والله يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا، وإن السيوف التي قاتلناك بها لفي أغمادها، وإن تدن من الحرب فترًا ندن منها شبرًا، وإن تمش إليها نهرول إليها، ثم قام وخرج.


وكانت أخت معاوية من وراء حجاب تسمع كلامه فقالت: يا أمير المؤمنين، من هذا الذي يتهدد ويتوعد قال: هذا الذي إذا غضب غضب لغضبه مائة ألف من بني تميم لا يدرون فيم غضب.

وقيل: إن معاوية أيضًا لما نصّب ولده يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء، فجعل الناس يسلمون على معاوية ثم يميلون إلى يزيد، حتى جاء رجل ففعل ذلك، ثم رجع إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، اعلم أنك لو لم تول هذا أمور المسلمين لأضعتها، والأحنف بن قيس جالس ، فقال له معاوية: ما بالك لا تقول يا أبا بحر فقال: أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت، فقال له معاوية: جزاك الله عن الطاعة خيرًا، وأمر له بألوف.

كلماته النافعة:


له كلمات جيدة نافعة حفظت عنه وتناقلتها كتب التاريخ ومنها:
"ثلاث خصال ما أقولهن إلا ليعتبر: ما دخلت بين اثنين قط حتى يدخلاني بينهما، ولا أتيت باب أحد من هؤلاء ما لم أدع إليه، يعني الملوك، ولا حللت حبوتي إلى ما يقوم الناس إليه".


وكان يقول: "أدوأ الداء الخلق الدنيء واللسان البذيء، وإن ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله تعالى وجيهًا".


ومن كلامه: "ما خان شريف ولا كذب عاقل ولا اغتاب مؤمن، وما ادخرت الآباء للأبناء ولا أبقت الموتى للأحياء أفضل من اصطناع معروف عند ذوي الأحساب والآداب".

وهو القائل: "كثرة الضحك تذهب الهيبة، وكثرة المزاح تذهب المروءة، ومن لزم شيئًا عرف به".

وسمع الأحنف رجلاً يقول: "ما أبالي أمدحت أم ذممت، فقال له: لقد استرحت من حيث تعب الكرام".

ومن كلامه: "جنبوا مجلسنا ذكر النساء والطعام، فإني أبغض الرجل يكون وصافًا لفرجه وبطنه، وإن من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه".
وكان أيضًا يقول: "عجبت لمن جرى في مجرى البول كيف يتكبر"؛ وكان يقول: اكرموا سفهاءكم فإنهم يكفونكم العار والنار.

وشكا إلى عمه مصيبة نزلت به فأسكتته ثلاثًا، ثم قال لي: "يا أبا بحر، لا تشكُ الذي نزل بك إلى مخلوق، فإنما هو صديق تسوءه أو عدو تسره، وقال رجل للأحنف: أخبرني الثقة عنك بسوء، قال: الثقة لا ينم".

ولما سألوه عن الحلم قال: "هو الذل مع الصبر، وكان يقول إذا عجب الناس من حلمه: إني لأجد ما تجدون، ولكني صبور".

 وكان يقول: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال، وكان يقول: ما تعلمت الحلم إلا من قيس بن عاصم المنقري، لأنه قتل ابن أخ له بعض بنيه فأتي بالقاتل مكتوفاً يقاد إليه، فقال: ذعرتم الفتى، ثم أقبل على الفتى فقال: يا بني، بئس ما صنعت: نقصت عددك وأوهنت عضدك وأشمت عودك وأسأت بقومك؛ خلو سبيله، واحملوا إلى أم المقتول دينه فإنها غريبة،  ثم انصرف القاتل وما حل قيس حبوته ولا تغير وجهه.


وقد ولد الأحنف بن قيس ملتزق الإليتين حتى شق، أحنف الرجل يطأ على ظهر قدمه، ولذلك قيل له الأحنف.

وذهبت عينه عند فتح سمرقند، ويقال بل ذهبت بالجدري؛ وكان متراكب الأسنان صغير الرأس مائل الذقن.

وبقي الأحنف إلى زمن مصعب بن الزبير، فخرج معه إلى الكوفة، فمات بها سنة سبع وستين للهجرة، وقيل إحدى وسبعين، وكان قد كبر جدًا.

اضافة تعليق