"الحجاج بن يوسف".. فصاحته تبكي الوعاظ

الأربعاء، 24 أكتوبر 2018 01:34 م
20


عندما يذكر الحجاج.. يذكر البطش والقتل، والتسلط على الأمراء العلماء والقرّاء والعباد، لكن كان هناك جانب آخر في حياته، وهو "فصاحته"، التي كانت مضرب الأمثال، خاصة في خطبه، ومواجهة خصومه.

مناقبه:


يقول الحافظ ابن كثير: وقد كان ناصبيًا يبغض عليًا وشيعته في هوى آل مروان بني أمية، وكان جبارًا عنيدًا، مقدامًا على سفك الدماء بأدنى شبهة.
وقد روي عنه ألفاظ بشعة شنيعة ظاهرها الكفر، فإن كان قد تاب منها وأقلع عنها، وإلا فهو باق في عهدتها، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه، فإن الشيعة كانوا يبغضونه جدًا لوجوه، وربما حرفوا عليه بعض الكلم، وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات.


وكان يتدين بترك المسكر، وكان يكثر تلاوة القرآن، ويتجنب المحارم، ولم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج، وإن كان متسرعًا في سفك الدماء، فالله تعالى أعلم بالصواب وحقائق الأمور وساترها، وخفيات الصدور وضمائرها، وأعظم ما نقم عليه وصح من أفعاله سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند الله عز وجل.

 وقد كان حريصًا على الجهاد وفتح البلاد، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن، فكان يعطس على القرآن كثيرًا، ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلاثمائة درهم.

خطبه السياسية:


ومن ذلك ما خطب به أهل العراق بعد موقعة "دير الجماجم"، التي هزم فيها ابن الأشعث، فقال:"يا أهل العراق إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم، والعصب والسمع، ثم أفضى إلى الأمخاخ، والأشباح والأرواح، ثم ارتع فعشش، ثم باض وفرخ، ثم دب ودرج، فحشاكم نفاقًا وشقاقًا، وأشعركم خلافًا، اتخذتموه دليلاً تتبعونه، وقائدًا تطيعونه، ومؤتمنًا تشاورونه وتستأمرونه، فكيف تنفعكم تجربة، أو ينفعكم بيان!


 ألستم أصحابي بالأهواز حيث منيتم المكر واجتمعتم على الغدر، واتفقتم على الكفر، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، وإنا والله أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لواذًا، وتنهزمون سراعًا.

 يا أهل العراق يا أهل الكفران بعد الفجران، والغدران بعد الخذلان، والنزوة بعد النزوات، إن بعثناكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا تذكرون نعمة، ولا تشكرون معروفًا، ما استخفكم ناكث، ولا استغواكم غاو، ولا استنقذكم عاص، ولا استنصركم ظالم، ولا استعضدكم خالع، إلا لبيتم دعوته، وأجبتم صيحته، ونفرتم إليه خفافًا وثقالاَ، وفرسانًا ورجالاً.

وخطب الحجاج يومًا، فأقبل عن يمينه فقال: ألا إن الحجاج كافر، ثم أطرق فقال: إن الحجاج كافر، ثم أطرق فأقبل عن يساره فقال: ألا إن الحجاج كافر، فعل ذلك مرارًا، ثم قال: كافر يا أهل العراق باللات والعزى.

مواعظه:


وكان الحجاج يقول في خطبته: إن الله خلق آدم وذريته من الأرض فأمشاهم على ظهرها، فأكلوا ثمارها وشربوا أنهارها وهتكوها بالمساحي والفؤوس، ثم أدال الله الأرض منهم فردهم إليها فأكلت لحومهم كما أكلوا ثمارها، وشربت دماءهم كما شربوا أنهارها، وقطعتهم في جوفها وفرقت أوصالهم كما هتكوها بالمساحي والفؤوس.


ومما قاله أيضًا في خطبته في المواعظ: الرجل وكلكم ذاك الرجل، رجل خطم نفسه وزمها فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وكفها بزمامها عن معاصي الله، رحم الله امرأ رد نفسه، امرأ اتهم نفسه، امرأ اتخذ نفسه عدوه، امرأ حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره، امرأ نظر إلى ميزانه، امرأ نظر إلى حسابه، امرأ وزن عمله، امرأ فكر فيما يقرأ غدا في صحيفته ويراه في ميزانه، وكان عند قلبه زاجرا، وعند همه آمرا، امرأ أخذ بعنان عمله كما يأخذ بعنان جمله، فإن قاده إلى طاعة الله تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كف، امرأ عقل عن الله أمره، امرأ فاق واستفاق، وأبغض المعاصي والنفاق، وكان إلى ما عند الله بالأشواق، فما زال يقول امرأ امرأ، حتى بكى "مالك بن دينار".

وكان الحسن البصري يقول: وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج سمعته يقول على هذه الأعواد: إن امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحري أن تطول عليها حسرته إلى يوم القيامة.

حسن جوابه ورده:


قال الحجاج يومًا: من كان له بلاء أعطيناه على قدره، فقام رجل فقال:أعطني فإني قتلت الحسين، فقال: وكيف قتلته؟ قال: دسرته بالرمح دسرًا، وهبرته بالسيف هبرًا، وما أشركت معي في قتله أحدًا.


 فقال: اذهب فو الله لا تجتمع أنت وهو في موضع واحد، ولم يعطه شيئًا.
وقال الهيثم بن عدي: جاء رجل إلى الحجاج فقال: إن أخي خرج مع ابن الأشعث فضرب على اسمي في الديوان ومنعت العطاء وقد هدمت داري، فقال

الحجاج، أما سمعت قول الشاعر:

حنانيك من تجنى عليك وقد ** تعدي الصحاح مبارك الجرب
ولرب مأخوذ بذنب قريبه ** ونجا المقارف صاحب الذنب؟

فقال الرجل: أيها الأمير! إني سمعت الله يقول غير هذا، وقول الله أصدق من هذا، قال:وما قال؟ قال:" قالوا يا أيها العزيز إن له أبًا شيخًا كبيرًا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين، قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذًا لظالمون".


 قال: يا غلام أعد اسمه في الديوان وابن داره، وأعطه عطاءه، ومر منادى ينادي صدق الله وكذب الشاعر.

وكتب عبد الملك إلى الحجاج يسأله عن أمس واليوم وغد، فكتب الحجاج إلى عبد الملك: أما أمس فأجل، وأما اليوم فعمل، وأما غدًا فأمل.

وأتى الحجاج بسارق فقال له: لقد كنت غنيًا أن تكسب جناية فيؤتى بك إلى الحاكم فيبطل عليك عضوًا من أعضائك، فقال الرجل: "إذا قل ذات اليد سخت النفس بالمتالف".

 قال: صدقت والله لو كان حسن اعتذار يبطل حدا لكنت له موضعًا، يا غلام سيف صارم ورجل قاطع، فقطع يده.

صرامته حتى في الموت:


قال الأصمعي: لما مرض الحجاج أرجف الناس بموته فقال في خطبته: إن طائفة من أهل الشقاق والنفاق نزغ الشيطان بينهم فقالوا: مات الحجاج، ومات الحجاج فمه؟! فهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت؟ والله ما يسرني أن لا أموت وأن لي الدنيا وما فيها، وما رأيت الله رضي التخليد إلا لأهون خلقه عليه إبليس، قال الله له "إنك من المنظرين"، فأنظره إلى يوم الدين.


 ولقد دعا الله العبد الصالح فقال: "هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي"،  فأعطاه الله ذلك إلا البقاء، ولقد طلب العبد الصالح الموت بعد أن تم له أمره، فقال "توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين"، فما عسى أن يكون أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، كأني والله بكل حي منكم ميتًا، وبكل رطب يابسًا، ثم نقل في أثياب أكفانه ثلاثة أذرع طولاً في ذراع عرضًا، فأكلت الأرض لحمه، ومصت صديده، وانصرف الخبيث من ولده يقسم الخبيث من ماله، إن الذين يعقلون يعقلون ما أقول، ثم نزل.


وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ما حسدت الحجاج عدو الله على شيء حسدي إياه على حبه القرآن وإعطائه أهله عليه، وقوله حين حضرته الوفاة: اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل.


وعن محمد بن المنكدر، قال: كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت: اللهم اغفر لي فإنهم يزعمون أنك لا تفعل.
قال: وحدثني بعض أهل العلم قال قيل للحسن: إن الحجاج قال عند الموت كذا وكذا، قال: قالها؟ قالوا: نعم! قال فما عسى.


وقال الأصمعي: لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول:


يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا ** بأنني رجل من ساكني النار
أيحلفون على عمياء ويحهم       ** ما علمهم بعظيم العفو غفار

 

قال فأخبر بذلك الحسن فقال: بالله إن نجا لينجون بهما.

وزاد بعضهم في ذلك: -

إن الموالي إذا شابت عبيدهم ** في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرما ** قد شبت في الرق فاعتقني من النار

وكان الحسن البصري لا يجلس مجلساً إلا ذكر فيه الحجاج فدعا عليه، قال: فرآه في منامه فقال له: أنت الحجاج؟ قال: أنا الحجاج، قال: ما فعل الله بك؟ قال: قتلت بكل قتيل قتلته ثم عزلت مع الموحدين. قال: فأمسك الحسن بعد ذلك عن شتمه.

اضافة تعليق