الشعراوي: حين تستنفذ كل الأسباب انتظر المدد الإلهي

الأربعاء، 24 أكتوبر 2018 11:15 ص



"أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء"

يقول العلامة الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي في سياق خاطرته حول الآية السابقة، قلنا في السابق: "إياك نعبد": أي نخصك بالعبادة، وتخصيصك بالعبادة أمر لا يعود نفعه عليك، وإنما هو لصالحنا نحن.

تخصيص الله بالعبادة، سيشكل مبدأ يناقض ما عليه الوجود من طغيان القوي على الضعيف، فأراد الحق سبحانه تعالى أن يعدنا إعدادًا لمواجهة ذلك، فقال "إياك نعبد وإياك نستعين"، أي نستعين بك في إخلاصنا العبودية لك، ولو قام دون ذلك طغيان يحول بينا وبينها.

فيعلمنا الله ألا نهنا أمام لذلك، وأن نعد لصولة الباطل ما استطعنا فقط، حين نعد لهم ما استطعنا تكون الاستعانة بالله، لأن الاستعانة إنما تدل على فعل يفعل ما في طاقته، ثم يواجهه ما فوق طاقته، فإذا ما واجهه ما فوق طاقته، فيجب ألا يهن، لأنه مسنود إلى رصيد أعلى من طوائف الطغيان في البشر.

ولذلك يعلمنا الحق أنه يجيب دعاء المضطر إذا دعان ومعنى "المضطر"، الذي استنفذ كل أسبابه، ولذلك نأخذ من المقابل أن دعاء غير المضطر، لا يكون محل القبول من الله، لأن الذي يرد على الله أسبابه المخلوقة له ثم يطلب المعونة من الذات، يقول له: لقد رددت يدك بأسبابك، فلماذا تطلب ذاتي؟، الذي يطلب ذاتي هو الذي أخذ من يدي الأسباب التي أعطيتها له، ثم تهن أسبابه هو أمام قوة الطغيان، حينئذ يضرع إلى من يعبده، بعد استنفاذ أسبابه، يجيبه الله، لأن دعوته دعوة مضطر.

لذا يجب أن نقف أمام هذه الآية، لنبين لبعض الناس لماذا يستجيب الله دعاءهم، لأنهم يظنون أن الله قد تخلف وعده بقوله: "وإذا سألك عبادك عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان"، فيقول: دعوت فلم يستجب لي، لأنك دعوت عن غير اضطرار، دعوت الله في أمر أعطاك أسباب وجوده بحركتك في الحياة، ولكنك تكاسلت وتركت الأسباب فكيف تترك يد الله ممدودة بالأسباب، ثم تطلب من الذات أن تعينك، إنما يطلب من الذات أن يعينك الذي استنفذ كل أسبابه في الحياة.

هذه المسألة، تعلمنا أن الحق سبحانه وتعالى له جنود لا يعلمها إلا هو، يمد بها من؟ المضطر، الذي استنفذ أسبابه.

وقد ضربت مثلاً في القرية: هبوا أن إنسانًا جلس أمام حانوته الكبير، وهو تاجر جملة، والعربات تأتي إليه بالصناديق محملة بالبضائع والعمال والحمالون يحملون ما في العربة من الصناديق ويدخل محله، وهو يجلس يضع رجلاً على رجل، ويرقب هذه الحالة، فطالما كانت الأشياء مواتية، بمعنى أن الحامل يطيق ما يحمل لا يتدخل، لكن هب أنه نظر فوجد صندوقًا، جاء الحامل ليحمله فغلبه الصندوق، من دون تفكير يهب لينجده، لأن رأى استنفذ أسبابه والحمل فوق طاقته، يفزع بدون تفكير، وربما كانت الحركة غير المرتبة فكريًا، تؤدي إلى أن يعطب أشياء في طريقه.

كذلك ربك حين تتعرض لشيء من متاعب الحياة وقد استنفذت كل أسبابك المشروعة، لا تهن أمام الأسباب، وتقول: أنا لا أوجه الأشياء بقوتي، لكن بقوتي من آمنت به، وأخلصت عبادتي له، ما دام قد خصصته بالعباة فطبيعي أن يعين.




اضافة تعليق