لم يحرّم الملوخية وحدها.. تعرف على أغرب محرمات الحاكم بالله

الثلاثاء، 23 أكتوبر 2018 03:12 م
3


كانت سيرته من أعجب السير، يخترع كل وقت أحكامًا يحمل الناس على العمل بها، حتي صارت قراراته وأفعاله مضرب الأمثال في التناقض والخروج عن العادة.

إنه الحاكم الفاطمي "الملقب الحاكم بأمر الله" بن العزيز بن، تولى عهد أبيه في حياته، وذلك في شعبان سنة 383 هجرية، ثم استقل بالأمر يوم وفاة والده، وكان جوادًا بالمال سفاكًا للدماء، قتل عددًا كثيرًا من أماثل أهل دولته وغيرهم صبرًا.


أفعاله العجيبة والمتناقضة:

أمر الناس في سنة 395 بسب الصحابة رضوان الله عليهم في حيطان المساجد والقياسر والشوارع، وكتب إلى سائر عمال الديار المصرية يأمرهم بالسب، ثم أمر بقطع ذلك ونهى عنه وعن فعله في سنة 397، ثم تقدم بعد ذلك بمدة يسيرة بضرب من يسب الصحابة وتأديبه ثم يشهره.


كما أنه أمر بقتل الكلاب، فلم ير كلب في الأسواق والأزقة والشوارع إلا قتل؛ ومنها أنه نهى عن بيع الفقاع والملوخيا وكبب الترمس المتخذة لها والجرجير والسمكة التي لا قشر لها، وأمر بالتشديد في ذلك والمبالغة في تأديب من يعترض لشيء منه، فظهر على جماعة أنهم باعوا أشياء منه، فضربوا بالسياط وطيف بهم، ثم ضربت أعناقهم.

ونهى عن بيع الزبيب قليله وكثيره على اختلاف أنواعه، ونهى التجار عن حمله إلى مصر، ثم جمع بعد ذلك منه جملة كثيرة وأحرق جميعها، ويقال إن مقدار النفقة التي غرموها على إحراقه كانت خمسمائة دينار.

كما أنه منع من بيع العنب وأنفذ الشهود إلى الجيزة حتى قطعوا كثيراً من كرومها ورموها في الأرض وداسوها بالبقر، وجمع ما كان في مخازنها من جرار العسل فكانت خمس آلاف جرة، وحملت إلى شاطىء النيل وكسرت وقلبت في بحر النيل.

ولم تسلم دور العبادة من قراراته العجيبة، حيث أمر بهدم الكنيسة المعروفة بقمامة وجميع الكنائس بالديار المصرية، ووهب جميع ما فيها من الآلات وجميع ما لها من الأرباع والأحباس لجماعة من المسلمين.

قصة غريبة:


ومن أخبار المستطرفة التي تدخل في أبواب الفرج بعد الشدة ما حدث به الرؤساء، أن ولي الدولة "ابن خيران" استحضره الحاكم ذات يوم وقال له: يا ولي الدولة، إني أريد أن أزوج مملوكي فلانًا على جاريتي فلانة بعد عتقهما وكذلك آخر لأخرى فخذ هاتين الشقتين واخطب فيهما خطبتين حسنتين وانسق الصداق والمهر بعد ذلك ما تقتضيه صانعة الوراق، وبكر إلينا من الفجر ولا تتأخر.


فقبل ذلك من الحاكم بالسمع والطاعة وانصرف، ووصل إلى داره بمصر وأسهر نفسه واستنتج قريحته وجود فكرته وعمل ما أشار له في الكتابين ولم يزل في السهر إلى وقت السحر، فاستحثه الرسل فقام ليتوضأ ويتهيأ إليه فعثرت رجله في المحبرة فتطرطش الكتابين، فلطم وجهه ووقع مغشياً عليه وانقبض أهله، وعلم أنه مقتول، فوصى أهله الوصية التامة وركب وأخذ الكتابين في كمه مطويين، ولم يزل إلى أن دخل من باب القاهرة ووصل إلى القصر مغلسًا، والرسل والحجاب منتظرون قدومه، وحين وصل أذن له في الدخول، فوجد الحاكم في الإيوان الكبير جالسًا على سرير، وبين يديه طشطان وعليهما قوارتان.

 فلما رأى الحاكم قبل الأرض ووقف صامتاً فقال له: يا ولي الدولة اكشف هذين الطشطين، فكشف عنهما فإذا في كل منهما رأس رجل ورأس امرأة، فقال: هؤلاء اطلعنا منهم على قضية منحوسة وفساد لا ينبغي الصبر، عليه ففعلنا بهم ما فعلناه، وتلك الثوبان خذهما فصلهما لأهلك، امض لشأنك، فخرج من بين يديه مغشيًا عليه، فأقام في الديوان إلى أن سكنت نفسه وهدأ روعه، وكتب إلى أهله رقعة يأمرهم فيها بالسكون والسكوت إلى أن يجتمع بهم.

كان كثير التلون في أفعاله وأحكامه وأقواله، جائرًا، وقد كان يروم أن يدعي الألوهية كما ادعاها فرعون، فكان قد أمر الرعية إذا ذكر الخطيب على المنبر اسمه أن يقوم الناس على أقدامهم صفوفًا، إعظاما لذكره واحترامًا لاسمه، فعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين، وكان قد أمر أهل مصر على الخصوص إذا قاموا عند ذكره خروا سجدا له، حتى إنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم، ممن كان لا يصلى الجمعة.

وكانوا يتركون السجود لله في يوم الجمعة وغيره ويسجدون للحاكم، وأمر في وقت لأهل الكتابين بالدخول في دين الإسلام كرهًا، ثم أذن لهم في العود إلى دينهم، وخرب كنائسهم ثم عمرها، وخرب القمامة ثم أعادها، وابتنى المدارس، وجعل فيها الفقهاء والمشايخ، ثم قتلهم وأخربها.

قرار الأسواق:


 ألزم الحاكم الناس بغلق الأسواق نهارًا، وفتحها ليلاً، فامتثلوا ذلك دهرًا طويلاً، حتى اجتاز مرة برجل يعمل النجارة في أثناء النهار. فوقف عليه فقال: ألم أنهكم؟ فقال: يا سيدي لما كان الناس يتعيشون بالنهار كانوا يسهرون بالليل، ولما كانوا يتعيشون بالليل سهروا بالنهار فهذا من جملة السهر، فتبسم وتركه، وأعاد الناس إلى أمرهم الأول، وكل هذا تغيير للرسوم، واختبار لطاعة العامة له، ليرقى في ذلك إلى ما هو أشر وأعظم منه.

وكانت العامة تبغضه كثيرًا، ويكتبون له الأوراق بالشتيمة البالغة له ولأسلافه، في صورة قصص، فإذا قرأها ازداد غيظا وحنقا عليهم، حتى إن أهل مصر عملوا صورة امرأة من ورق بخفيها وإزارها،  وفي يدها قصة من الشتم واللعن والمخالفة شيء كثير، فلما رآها ظنها امرأة، فذهب من ناحيتها وأخذ القصة من يدها فقرأها فرأى ما فيها، فأغضبه ذلك جدًا، فأمر بقتل المرأة، فلما تحققها من ورق ازداد غيظا إلى غيظه.

ثم لما وصل إلى القاهرة أمر السودان أن يذهبوا إلى مصر فيحرقوها وينهبوا ما فيها من الأموال والمتاع والحريم، فذهبوا فامتثلوا ما أمرهم به، فقاتلهم أهل مصر قتالاً شديدًا، ثلاثة أيام، والنار تعمل في الدور والحريم، وهو في كل يوم قبحه الله، يخرج فيقف من بعيد وينظر ويبكي ويقول: من أمر هؤلاء العبيد بهذا؟ ثم اجتمع الناس في الجوامع ورفعوا المصاحف وصاروا إلى الله عز وجل، واستغاثوا به، فرق لهم الترك والمشارقة وانحازوا إليهم، وقاتلوا معهم عن حريمهم ودورهم، وتفاقم الحال جدًا.

مقتله:


كان الحاكم يحب الانفراد والركوب على بهيمة وحده، فاتفق أنه خرج ليلة الاثنين السابع والعشرين من شوال سنة  411 هجرية،  إلى ظاهر مصر، وطاف ليلته كلها وأصبح عند قبر الفقاعي، ثم توجه إلى شرقي حلوان ومعه ركابيان، فأعاد أحدهما مع تسعة من العرب، ثم أعاد الركابي الآخر، وذكر هذا الركابي أنه خلفه عند القبر والمقصبة، وبقي الناس على رسمهم يخرجون يلتمسون رجوعه ومعهم دواب الموكب ، وخرجت بعض رؤساء الدولة خلفه في الجبل فبينما هم كذلك إذ أبصروا حماره الأشهب الذي كان راكبًا عليه المدعو بالقمر، وهو على قرنة الجبل، وقد ضربت يداه بسيف فأثر فيهما، وعليه سرجه ولجامه، فتتبعوا الأثر فإذا أثر الحمار في الأرض وأثر راجل خلفه وراجل قدامه، فلم يزالوا يقصون هذا الأُثر حتى انتهوا إلى البركة التي في شرقي حلوان، فنزل إليها بعض الرجالة فوجد فيها ثيابه، وهي سبع جباب.

ووجدت مزررة لم تحل أزرارها، وفيها آثار السكاكين فأخذت وحملت إلى القصر بالقاهرة، ولم يشك في قتله، مع أن جماعة من المغالين في حبهم السخيفي العقول يظنون حياته، وأنه لا بد أن سيظهر، ويحلفون بغيبة الحاكم وتلك خيالات وهذيان ، ويقال إن أخته دست عليه من يقتله.

ويقال إن شره كان قد تعدى إلى الناس كلهم حتى إلى أخته، وكان يتهمها بالفاحشة، ويسمعها أغلظ الكلام، فتبرمت منه، وعملت على قتله، فراسلت أكبر الأمراء، أميرا يقال له ابن دواس، فتوافقت هي وهو على قتله ودماره، وتواطئا على ذلك، فجهز من عنده عبدين، أسودين شهمين، وقال لهما: إذا كانت الليلة الفلانية فكونا في جبل المقطم، ففي تلك الليلة يكون الحاكم هناك في الليل لينظر في النجوم، وليس معه أحد إلا ركابي وصبي، فاقتلاه واقتلاهما معه، واتفق الحال على ذلك.

فلما كانت تلك الليلة قال الحاكم لأمه: علي في هذه الليلة قطع عظيم، فإن نجوت منه عمرت نحوا من ثمانين سنة، ومع هذا فانقلي حواصلي إليك، فإن أخوف ما أخاف عليك من أختى، وأخوف ما أخاف على نفسي منها، فنقل حواصله إلى أمه، وكان له في صناديق قريب من ثلاثمائة ألف دينار، وجواهر أخر، فقالت له أمه: يا مولانا إذا كان الأمر كما تقول فارحمني ولا تركب في ليلتك هذه إلى موضع وكان يحبها.

فقال: أفعل، وكان من عادته أن يدور حول القصر كل ليلة، فدار ثم عاد إلى القصر، فنام إلى قريب من ثلث الليل الأخير، فاستيقظ وقال: إن لم أركب الليلة فاضت نفسي، فثار فركب فرسا وصحبه صبي وركابي، وصعد الجبل المقطم فاستقبله ذانك العبدان فأنزلاه عن مركوبة، وقطعا يديه ورجليه، وبقرا بطنه، فأتيا به مولاهما ابن دواس، فحمله إلى أخته فدفنته في مجلس دارها، واستدعت الأمراء والأكابر والوزير وقد أطلعته على الجلية، فبايعوا لولد الحاكم أبي الحسن علي، ولقب بالظاهر لإعزاز دين الله.

اضافة تعليق