"أويس القَرَني".. لهذا السبب صار سيد التابعين

الثلاثاء، 23 أكتوبر 2018 12:31 م
8

قال النبي صلي الله عليه وسلم : "لا تحقرنّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقي أخاك بوجه طلق"، فما بالنا إذا كان المعروف مع الوالدين، خاصة مع الأم، وما وصل "أويس القَرَني" سيد التابعين إلا بفضل بره بأمه.

وصار أويس القرني أبو عمرو بن عامر بن جزء بن مالك المرادي اليمني، هو القدوة، الزاهد، سيد التابعين في زمانه، وفد على الفاروق عمر، وروى قليلاً عنه، وعن علي بن أبي طالب.

قصته:

 عن أسير بن جابر، قال: لما أقبل أهل اليمن، جعل عمر رضي الله عنه يستقرئ الرفاق، فيقول: هل فيكم أحد من قرن؟، فوقع زمام عمر - أو زمام أويس - فناوله - أو ناول أحدهما الآخر - فعرفه، فقال عمر: ما اسمك؟ قال: أنا أويس، قال: هل لك والدة؟

قال: نعم، قال: فهل كان بك من البياض شيء؟، قال: نعم، فدعوت الله، فأذهبه عني، إلا موضع الدرهم من سرتي، لأذكر به ربي، قال له عمر: استغفر لي.

قال: أنت أحق أن تستغفر لي، أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، فقال عمر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن خير التابعين رجل يقال له: أويس، وله والدة، وكان به بياض، فدعا الله، فأذهبه عنه، إلا موضع الدرهم في سرته"، فاستغفر له، ثم دخل في غمار الناس، فلم ندر أين وقع، قال: فقدم الكوفة.

وتحكي رواية أخرى أن عمر بن الخطاب، إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد، ثم من قرن؟، قال: نعم، قال: فكان بك برص، فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: ألك والدة؟ قال: نعم.

قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص، فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة، هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك، فافعل"، فاستغفر لي، قال: فاستغفر له.

فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها، قال: أكون في غبرات الناس أحب إلي. قال: فلما كان من العام المقبل، حج رجل من أشرافهم، فوافق عمر، فسأله عن أويس، فقال: تركته رث الهيئة، قليل المتاع.
قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مراد ثم من قرَنَ، كان به برص، فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة، هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك، فافعل".

وتزيد إحدى الروايات عما دار بين أويس والفاروق عمر، قال: أو يستغفر مثلي لمثلك يا أمير المؤمنين؟! قال: فاستغفر لي، وقلت له: أنت أخي لا تفارقني.
قال: فانملس مني ، فأنبئت أنه قدم عليكم الكوفة. قال: فجعل رجل كان يسخر بأويس بالكوفة ويحقره، يقول: ما هذا منا ولا نعرفه، قال عمر: بلى، إنه رجل كذا وكذا.

فقال - كأنه يضع شأنه -: "فينا رجل يا أمير المؤمنين، يقال له: أويس"، فقال عمر: أدرك، فلا أراك تدركه، قال: فأقبل ذلك الرجل حتى دخل على أويس، قبل أن يأتي أهله.

فقال له أويس: ما هذه عادتك! فما بدا لك؟قال: سمعت عمر يقول فيك كذا وكذا، فاستغفر لي. قال: لا أفعل حتى تجعل لي عليك أن لا تسخر بي فيما بعد، وأن لا تذكر ما سمعته من عمر لأحد، قال: نعم، فاستغفر له.
قال أسير بن جابر راوي القصة : فما لبثنا أن فشا أمره في الكوفة، قال: فدخلت عليه، فقلت: يا أخي،  ألا أراك العجب، ونحن لا نشعر؟
فقال: ما كان في هذا ما أتبلغ به في الناس، وما يجزى كل عبد إلا بعمله. قال: وانملس مني، فذهب.

وعن صعصعة بن معاوية، قال: كان أويس بن عامر رجلاً من قرن، وكان من أهل الكوفة، وكان من التابعين، فخرج به وضح، فدعا الله أن يذهبه عنه، فأذهبه الله.

قال: دع في جسدي منه ما أذكر به نعمك علي، فترك له ما يذكر به نعمه عليه.

وكان رجل يلزم المسجد في ناس من أصحابه، وكان ابن عم له يلزم السلطان، يولع به، فإن رآه مع قوم أغنياء، قال: ما هو إلا يستأكلهم، وإن رآه مع قوم فقراء، قال: ما هو إلا يخدعهم.

وأويس لا يقول في ابن عمه إلا خيرًا، غير أنه إذا مر به، استتر منه، مخافة أن يأثم بسبه.

وكان عمر يسأل الوفود إذا هم قدموا عليه من الكوفة: هل تعرفون أويس بن عامر القرني؟ فيقولون: لا. فقدم وفد من أهل الكوفة، فيهم ابن عمه ذاك، فقال: هل تعرفون أويسًا؟، قال ابن عمه: يا أمير المؤمنين! هو ابن عمي، وهو رجل نذل فاسد، لم يبلغ ما أن تعرفه أنت. قال: ويلك هلكت! ويلك هلكت! إذا قدمت، فأقره مني السلام، ومره فليفد إلي.

فقدم الكوفة، فلم يضع ثياب سفره عنه حتى أتى المسجد، فرأى أويسًا، فلم به، فقال: استغفر لي يا ابن عمي. قال: غفر الله لك يا ابن عم، قال: وأنت فغفر الله لك يا أويس، أمير المؤمنين يقرئك السلام، قال: ومن ذكرني لأمير المؤمنين؟

قال: هو ذكرك، وأمرني أن أبلغك، أن تفد إليه، قال: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين. فوفد عليه، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: أنت الذي خرج بك وضح، فدعوت الله أن يذهبه عنك، فأذهبه، فقلت: اللهم دع لي في جسدي منه ما أذكر به نعمتك علي، فترك لك في جسدك ما تذكر به نعمه عليك؟

قال: وما أدراك يا أمير المؤمنين؟ فوالله ما اطلع على هذا بشر.

قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه سيكون في التابعين رجل من قرن، يقال له: أويس بن عامر، يخرج به وضح، فيدعو الله أن يذهبه عنه، فيذهبه، فيقول: اللهم دع لي في جسدي ما أذكر به نعمتك علي.

فيدعو له ما يذكر به نعمه عليه، فمن أدركه منكم، فاستطاع أن يستغفر له، فليستغفر له"، فاستغفر لي يا أويس. قال: غفر الله لك يا أمير المؤمنين، قال: وأنت غفر الله لك يا أويس بن عامر.

قال: فلما سمعوا عمر، قال عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رجل: استغفر لي يا أويس، وقال آخر: استغفر لي يا أويس. فلما كثروا عليه، انساب، فذهب، فما رؤي بعدها.

صفاته:

كان أويس معتدل القامة، آدم، شديد الأدمة، ضارب بذقنه على صدره، رام ببصره إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله، يتلو القرآن، يبكي على نفسه، ذو طمرين، لا يؤبه له، يتزر بإزار صوف، ورداء صوف، مجهول في أهل الأرض، معروف في السماء، لو أقسم على الله لأبره، ألا وإن تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء.

وروي عن هرم بن حيان، قال: قدمت الكوفة، فلم يكن لي هم إلا أويس أسأل عنه، فدفعت إليه بشاطئ الفرات، يتوضأ ويغسل ثوبه، فعرفته بالنعت، فإذا رجل آدم، محلوق الرأس، كث اللحية، مهيب المنظر، فسلمت عليه، ومددت إليه يدي لأصافحه، فأبى أن يصافحني، فخنقتني العبرة لما رأيت من حاله، فقلت: السلام عليك يا أويس، كيف أنت يا أخي؟ قال: وأنت فحياك الله يا هرم، من دلك علي؟ قلت: الله عز وجل.

قال: "سبحان ربنا، إن كان وعد ربنا لمفعولا"، قلت: يرحمك الله، من أين عرفت اسمي، واسم أبي؟! فوالله ما رأيتك قط، ولا رأيتني؟

قال: عرفت روحي روحك، حيث كلمت نفسي نفسك، لأن الأرواح لها أنس كأنس الأجساد ، وإن المؤمنين يتعارفون بروح الله، وإن نأتبهم الدار، وتفرقت بهم المنازل.

وكان أويس القرني ليتصدق بثيابه، حتى يجلس عريانًا، لا يجد ما يروح فيه إلى الجمعة، وكان إذا أمسى، يقول: هذه ليلة الركوع، فيركع حتى يصبح، إذا أمسى يقول: هذه ليلة السجود، فيسجد حتى يصبح.

وكان إذا أمسى، تصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والشراب ، ثم قال: اللهم من مات جوعًا، فلا تؤاخذني به، ومن مات عريا، فلا تؤاخذني به.

وكان يقول: عرفني أمير المؤمنين عمر، وشهر باسمي، ثم هام على وجهه، فلم يوقف له بعد ذلك على أثر دهرا، ثم عاد في أيام علي -رضي الله عنه- فاستشهد معه بصفين، فنظروا، فإذا عليه نيف وأربعون جراحة.

اضافة تعليق