"تلميذ مالك".. الذي وصفه بـ "عاقل الأندلس".. فما سر ذلك؟

الإثنين، 22 أكتوبر 2018 03:40 م
01

كان للإمام مالك تلامذة من طلبة العلم، تتلمذوا عليه، ونقلوا علمه، خاصة إلى بلاد المغرب والأندلس، منهم : "سُحنون" و"أسد بن الفرات"، ويحيى بن يحيى قاضي الأندلس، والذي لقبه الإمام مالك بـ "عاقل الأندلس".

وكان سبب إطلاق الإمام مالك عليه هذا اللقب، أنه كان في مجلس مالك مع جماعة من أصحابه، فقال قائل قد حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه، ولم يخرج يحيى، فقال له مالك: مالك لا تخرج فتراه لأنه لا يكون بالأندلس، فقال: إنما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل، فأعجب به مالك وسماه عاقل أهل الأندلس.
هو القاضي أبو محمد يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس الليثي، أصله من البربر من قبيلة يقال لها "مصمودة"، تولى بني ليث فنسب إليهم، وجده كثير يكنى أبا عيسى، وهو الداخل إلى الأندلس، سكن قرطبة، وسمع بها من زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخمي المعروف بشبطون القرطبي " موطأ " مالك بن أنس رضي الله عنه، وسمع من يحيى بن مضر القيسي الأندلسي.
وقد رحل إلى المشرق وهو ابن 28 سنة، فسمع من مالك بن أنس "الموطأ" غير أبواب في كتاب "الاعتكاف"، شك في سماعه فيها فأثبت فيها عن زياد، وسمع بمكة من سفيان بن عيينة، وبمصر من الليث بن سعد وعبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم، وتفقه بالمدنيين والمصريين من أكابر أصحاب مالك بعد انتفاعه بمالك وملازمته له، وكان مال يسميه عاقل الأندلس.

عاد يحيى إلى الأندلس وانتهت إليه الرياسة بها، وبه انتشر مذهب مالك في تلك البلاد، وتفقه به جماعة لا يحصون عددًا وروى عنه خلق كثير، وأشهر روايات "الموطأ" وأحسنها رواية يحيى المذكور، وكان مع إمامته ودينه معظمًا عند الأمراء مكينًا، عفيفًا عن الولايات متنزهًا،  فكان أعلى قدرًا من القضاة عند ولاة الأمر هناك لزهده في القضاء وامتناعه منه.

يقول ابن حزم الأندلسي: مذهبان انتشرا في مبدأ أمرهما بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة، فإنه لما ولي قضاء القضاة أبويوسف يعقوب صاحب أبي حنيفة، كانت القضاة من قِبله، فكان لا يولي قضاء البلدان من أقصى المشرق إلى أقصى إفريقيا إلا أصحابه والمنتمين إليه وإلى مذهبه، ومذهب مالك بن أنس عندنا في بلاد الأندلس، فإن يحيى بن يحيى كان مكينًا عند السلطان مقبول القول في القضاة، فكان لا يلي قاض في أقطار بلاد الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه، والناس سرّاع إلي الدنيا فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به، على أن يحيى بن يحيى لم يل قضاء قط ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائداً في جلالته عندهم وداعياً إلى قبول رأيه لديهم.

وتداول عنه الفقهاء فتوى غريبة ضد سلطان عصره ، حيث  كتب الأمير عبد الرحمن بن الحكم الأموي المعروف بـ"الربضي" صاحب الأندلس إلى الفقهاء يستدعيهم إليه، فأتوا إلى القصر، وكان عبدالرحمن المذكور قد نظر في شهر رمضان إلى جارية له كان يحبها حبًا شديدًا، فعبث بها، ولم يملك نفسه أن وقع عليها، ثم ندم ندمًا شديدًا، فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته؟

 فقال يحيى بن يحيى: يكفر ذلك بصوم شهرين متتابعين، فلما بدر يحيى بهذه الفتيا سكت بقية الفقهاء، حتى خرجوا من عنده، فقال بعضهم لبعض وقالوا ليحيى: ما لك لم تفته بمذهب مالك، فعنده أنه مخير بين العتق والطعام والصيام، فقال: لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ ويعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور لئلا يعود.

وذكر أبو الوليد ابن الفرضي في تاريخه: لما انفصل يحيى عن مالك ليعود إلى بلاده ووصل إلى مصر، رأى عبد الرحمن بن القاسم يدون سماعه عن مالك، فنشط للرجوع، إلى مالك ليسمع منه المسائل التي كان ابن القاسم دونها عنه، فرحل رحلة ثانية، فألفى مالكًا عليلاً، فأقام عنده إلى أن مات وحضر جنازته، فعاد إلى ابن القاسم، وسمع منه سماعه من مالك.

وكان يحيى ممن اتهم ببعض الأمر، فخرج إلى طليطلة، ثم استأمن، فكتب الأمير الحكم أمانًا، وانصرف إلى قرطبة، ولم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس، منذ دخلها الإسلام، من الحظوة وعظم القدر وجلالة الذكر ما أعطيه يحيى بن يحيى.

وقال ابن بشكوال في تاريخه: كان يحيى بن يحيى مجاب الدعوة، وكان قد أخذ في نفسه وهيئته ومقعده هيئة مالك.
وحكي عنه أنه قال: أخذت ركاب الليث بن سعد، فأراد غلامه أن يمنعني فقال: دعه، ثم قال لي الليث: خدمك أهل العلم، فلم تزل بي الأيام حتى رأيت ذلك.

 توفي – رحمه الله-  في رجب سنة 234 من الهجرة، وقبره كان  بمقبرة ابن عياش يستسقى به، وهذه المقبرة بظاهر قرطبة.

اضافة تعليق