مع كثرة البلاء وضغوط الحياة.. كيف صبر الأنبياء وكيف نقتدي بهم؟

الإثنين، 22 أكتوبر 2018 11:14 ص
مع كثرة البلاء وضغوط الحياة


يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأحقاف: "فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ".


ويقول أيضًا في سورة البقرة: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ  (157)" (البقرة).


هكذا تتعدد آيات الله في محكم كتابه العزيز عن الصبر على البلاء، والتي يأمر من خلالها بالصبر، ويجعله من خاصة الإنسان ولا يتصور في البهائم لنقصانها، وغلبة الشهوات عليها من غير شيء يقابلها، ولا يتصور أيضًا في الملائكة لكمالها فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية ولم تسلط عليهم شهوة صارفة عنها.


ولا يكون هناك تمكين لإنسان أو نجاح في قضية حتى يبتلى فيها، حتى سُئل الإمام الشافعي رحمه الله: أيهما أفضل للرجل أن يُمكّن أو يُبتلى؟ فقال: لا يُمكّن حتى يُبتلى.

 الصبر عند الأنبياء

أقام نبي الله موسى الحجة على فرعون وقومه، في معركة تحرير الإنسان من العبودية لغير الله سبحانه وتعالى، وظل سنوات يناشده السماح لبني إسرائيل بالخروج، فلما يأس من فرعون، تسلل مع بني إسرائيل في ليلة ظلماء، ومعهم الدليل، وفرعون يهرول وراءهم، لتصدمهم المفاجأة وهي أن البحر من أمامهم، والعدو من خلفهم، فلم يجد قوم موسى إلا أن قالوا: "إِنَّا لَمُدْرَكُونَ".


ومع حسابات قوم موسى العقلية بعدما شاهدوا ما حل بهم من حصارهم بين البحر والعدو، جاء رد نبيهم الواثق بربه فقال لهم: "كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ".


لم ينظر موسى لما رآه بعينه المجردة هو وقومه، ولكن نظر لما وقر في قلبه من معية الله له، ليكون النصر من الله لا فضل فيه لأسبابهم التي اقترفوها.

 ويقول الله تعالى: "(وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ" البقرة:50.


صبر النبي صلى الله عليه وسلم


من أعجب قصص الصبر، حين هم النبي صلى الله عليه وسلم، بالهجرة ومعه صديقه أبو بكر الصديق، وكان أصعب ما في الخطة اختياره لغار ثور في اتجاه اليمن (عكس المدينة)، وفي جبل مرتفع ونآءٍ وبعيد عن تفكير قريش، لكن الأقدار سحبت رجالات قريش إلى نفس المكان، هنالك تفاجئ أبو بكر الصديق فهمس في أذن النبي: " لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لرآنا".


هنا أتى صبر النبي صلى الله عليه وسلم الذي تبسم، وفهم الرسالة الربانية الكامنة في مجيئ القرشيين، فقال لأبي بكر : "ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما".


أدرك النبي أن عناية الله ورحمته هي النجاة، وأن عبودية الله هي المنقذ الوحيد له ولصديقه.


موقف آخر عن عائشة رضي الله عنها حينما سألت النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقالت: "هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل ابن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد فقال: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا".


موقف أخر حينما بلغ الأذى قمته وحوصر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنوات في شعب أبي طالب، وفقده لزوجته خديجة رضي الله عنها التي كانت خير ناصر ومعين بعد الله عز وجل، ثم يفاجأ بموت عمه الذي كان يحوطه ويدافع عنه، ويخرج من بلده مهاجرًا، وفي المدينة يبدأ عهدًا جديدًا من الصبر والتضحية، حتى جاع وربط على بطنه الحجر.


يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "قد أُخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يُؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ول بلال طعامٌ يأكله ذو كبد، إلا شيء يواريه إبط بلال" رواه الترمذي.


ومن المواطن التي صبر فيها النبي صلى الله عليه وسلم، صبره على موت أولاده وبناته، حيث كان له من الذرية سبعةٌ، توالى موتهم واحدًا تلو الآخر حتى لم يبق منهم إلا فاطمة رضي الله عنها، فما وهن ولا لان، ولكن صبر صبرًا جميلاً، حتى أُثر عنه يوم موت ولده إبراهيم قوله: "إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".

اضافة تعليق