"إياس" أذكى القضاة.. لهذا اشتهر بفطنته ورجاحة عقله

الخميس، 18 أكتوبر 2018 02:28 م
0

برز العرب في جملة من العلوم، وصارت من مظاهرهم قبل الإسلام وبعده، وجاءت معظم ما برزوا فيه من نتاج البيئة التي عاشوا فيها، وأشهر ما تميزوا به هو علم" الأنساب" لما في ذلك من الحفاظ علي وحدة القبيلة والبطون العربية التي ينتسب إليها كل شخص.

ومن أبرز ما تميزوا به أيضا، علم "الفراسة"، و"القيافة" ، وكان لهم في ذلك شأن وهناك قبائل متميزة في هذا الأمر، كقبيلة "بني مدلج"، التي تميزت بمعرفة القيافة، وكان أشهرهم "مجززا" المدلجي، والذي سر النبي صلي الله عليه وسلم بقيافته، حينما مرّ علي الصحابي زيد بن حارثة وولده أسامة بن زيد وقال: إن هذه الأقدام من تلك.

كما اشتهر العرب بالفراسة أيضًا، حيث كانوا يعرفون الكثير من بواطن الأمور للأشخاص والأشياء عبر فراستهم، وكان الأشهر في ذلك هو "إياس الذكي"، وهو الذي قصده أبو تمام في شعره ببيته المشهور:

إقدام عمرو في سماحة حاتم **  في حلم أحنف في ذكاء إياس

القاضي إياس:

 
أبو وائلة إياس بن معاوية بن قرة بن إياس بن هلال المزني؛ وكان بليغًا ألمعيًا مصيبًا، والمعدود مثلاً في الذكاء والفطنة، ورأسًا لأهل الفصاحة والرجاحة.

كان صادق الظن لطيفًا في الأمور، مشهورًا بفرط الذكاء، وبه يضرب المثل في الذكاء، وكان عمر بن عبد العزيز قد ولاه قضاء البصرة.

كما كان لإياس جد أبيه صحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قيل لمعاوية بن قرة والد إياس: كيف ابنك لك؟، فقال: نعم الابن، كفاني أمر دنياي وفرغني لآخرتي، حيث كان إياس أحد العقلاء الفضلاء الدهاة.

مظاهر فراسته:

ويحكى من فطنته أنه كان في موضع فحدث فيه ما أوجب الخوف، وهناك ثلاث نسوة لا يعرفهن، فقال: هذه ينبغي أن تكون حاملاً، وهذه مرضعًا، وهذه عذراء، فكشف عن ذلك فكان كما تفرس.

فقيل له: من أين لك هذا فقال: عند الخوف لا يضع الإنسان يده إلا على أعز ما له ويخاف عليه، ورأيت الحامل قد وضعت يدها على جوفها، فاستدللت بذلك على حملها، ورأيت المرضع قد وضعت يدها على ثديها، فعلمت أنها مرضع، والعذراء وضعت يدها على فرجها، فعلمت أنها بكر.

وسمع إياس بن معاوية يهوديًا، يقول: ما أحمق المسلمين، يزعمون أن أهل الجنة يأكلون ولا يحدثون، فقال له إياس: أفكل ما تأكله تحدثه، قال: لا، لأن الله تعالى يجعله غذاء، قال فلم تنكر أن الله تعالى يجعل كل ما يأكله أهل الجنة غذاء.

ونظر يومًا إلى آجرة بالرحبة وهو بمدينة واسط، فقال: تحت هذه الآجرة دابة، فنزعوا الآجرة فإذا تحتها حية منطوية، فسألوه عن ذلك فقال: إني ما بين الآجرتين نديًا من بين جميع تلك الرحبة، فعلمت أن تحتها شيئًا يتنفس.

ومر يومًا بمكان فقال: أسمع صوت كلب غريب، فقيل له: كيف عرفت ذلك قال: بخضوع صوته وشدة نباح غيره من الكلاب، فكشفوا عن ذلك فإذا كلب غريب مربوط والكلاب تنبحه.

نبوغه في القضاء:

وكتب عمر بن عبد العزيز الأموي - رضي الله عنه - في أيام خلافته إلى نائبه بالعراق وهو عدي بن أرطاة أن أجمع بين إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة الحرشي فولّ قضاء البصرة أنفذهما، فجمع بينهما، فقال له إياس: أيها الأمير سلْ عني وعن القاسم فقيهي المصر "الحسن البصري" و"محمد بين سيرين"، وكان القاسم يأتيهما وإياس لا يأتيهما، فعلم القاسم أنه إن سألهما أشارا به، فقال له: لا تسأل عني ولا عنه، فوالله الذي لاإله إلا هو إن إياس بن معاوية أفقه مني وأعلم بالقضاء فإن كنت كاذبًا فما يحل لك أن توليني وأنا كاذب، وإن كنت صادقًا فينبغي لك أن تقبل قولي، فقال له إياس: إنك جئت برجل أوقفته على شفير جهنم فنجى نفسه منها بيمين كاذبة يستغفر الله منها وينجو مما يخاف، فقال عدي بن أرطاة: أما إذ فهمتها فأنت لها، واستقضاه.
وروي عن إياس أنه قال: ما غلبني أحد قط سوى رجل واحد، وذلك أني كنت في مجلس القضاء بالبصرة، فدخل علي رجل شهد عندي أن البستان الفلاني - وذكر حدوده - هو ملك فلان، فقلت له: كم عدد شجره فسكت، ثم قال: منذ كم يحكم سيدنا القاضي في هذا المجلس فقلت: منذ كذا، فقال: كم عدد خشب سقفه فقلت له: الحق معك، وأجزت شهادته.

وكان يومًا في برية فأعوزهم الماء، فسمع نباح كلب فقال: هذا على رأس بئر، فاستقروا النباح فوجدوه كما قال، فقيل له في ذلك فقال: لأني سمعت الصوت كالذي يخرج من بئر.

وتراءى هلال شهر رمضان جماعة فيهم أنس بن مالك رضي الله عنه وقد قارب المائة، فقال أنس: قد رأيته، هو ذاك، وجعل يشير إليه فلا يرونه، ونظر إياس إلى أنس وإذا شعرة من حاجبه قد انثنت، فمسحها إياس وسواها بحاجبه، ثم قال له: يا أبا حمزة، أرنا موضع الهلال، فجعل ينظر ويقول ما أراه.

 وفاته:

وقال إياس في العام الذي توفي فيه: رأيت في المنام كأني وأبي على فرسين فجريا معا فلم أسبقه ولم يسبقني، وعاش أبي ستا وسبعين سنة وأنا فيها، فلما كان آخر لياليه قال: أتدرون أي ليلة هذه ليلة أستكمل فيها عمر أبي، ونام فأصبح ميتًا، وكانت وفاة أبيه معاوية في سنة ثمانين للهجرة، رحمه الله تعالى.

اضافة تعليق