هلا تجاوزت الشكليات إلى المضمون.. هذه هي الحقيقة

الأربعاء، 17 أكتوبر 2018 12:56 م
066

كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على تحقيق جوهر الأمور والاهتمام بالمضمون، دون الوقوف عند الشكليات، معلمًا أمته الاقتداء بهذا الهدي النبوي الحكيم، وقد قيل: "الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحقُّ بها".

وتجلت عبقريته صلى الله عليه وسلم في تحقيق هذا المناط في "صلح الحديبية"، حيث لم يكن أحد من الصحابة موافقًا لرأي النبي في الرجوع إلي المدينة وقضاء العمرة في العام القابل، إلا الصديق أبو بكر – رضي الله- ، وإن دلّ هذا إنما يدل على كمال إيمانه، وقوة يقينه.

ومن أبرز المواقف التي أظهر فيها الرسول الكريم عدم الوقوف عند الشكليات، والاهتمام بالمضمون ما تم في كتابة صلح الحديبية، حينما جاء رسول قريش "سهيل بن عمرو" قبل دخوله في الإسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سهل لكم من أمركم، فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا الكاتب فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.


فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما ندري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب: باسمك اللهم.

ثم قال: اكتب: هذا ما قاضى عليه "محمد رسول الله"،  فقال سهيل: فوالله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني رسول الله، وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به، فقال سهيل والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا "ضغطة"، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب.

فقال سهيل: على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟
وازداد كرب المسلمين، حيث  جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ.

 فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد، فقال: فوالله إذًا لا أصالحك على شيء أبدًا.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه لي، قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى فافعل.

قال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ألست نبي الله حقًا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. فقلت: علام نعطي الدنية في ديننا إذًا ونرجع، ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا؟

فقال: إني رسول الله وهو ناصري ولست أعصيه، قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به.

قال عمر: فأتيت أبا بكر فقلت له كما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد علي أبو بكر كما رد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء، وزاد: فاستمسك بغرزه حتى تموت فوالله إنه لعلى الحق. قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً.

وقد علق العلامة ابن القيم تعليقا بديعًا في "زاد المعاد" على فعل النبي صلي الله عليه وسلم وما كان يهدف إليه فهمه لبواطن الأمور فيقول: إن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة إذا طلبوا أمرًا يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى، أجيبوا إليه وأعطوه وأعينوا عليه، وإن منعوا غيره فيعاونون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم وبغيهم، ويمنعون مما سوى ذلك.

فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى مرض له، أجيب إلى ذلك كائنًا من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضع وأصعبها وأشقها على النفوس، ولذلك ضاق عنه من الصحابة من ضاق، وقال عمر ما قال، حتى عمل له أعمالاً بعده، والصديق تلقاه بالرضى والتسليم، حتى كان قلبه فيه على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأجاب عمر عما سأل عنه من ذلك بعين جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يدل على أن الصديق رضي الله عنه أفضل الصحابة وأكملهم وأعرفهم بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم بدينه وأشدهم موافقة له، ولذلك لم يسأل عمر عما عرض له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه خاصة دون سائر أصحابه.

وذكرت كتب التواريخ بعض النوادر التي تحذر من عدم الاغترار بالمظهر، منها ما وقع مع قاضي القضاة أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة كان يجلس إلى رجل فيطيل الصمت، فقال له أبويوسف: ألا تتكلم، فقال: بلى، متى يفطر الصائم؟، فقال: إذا غابت الشمس، فقال: فإن لم تغب إلى نصف الليل، فضحك أبويوسف وقال: أصبت في صمتك وأخطأت أنا في استدعاء نطقك، ثم تمثل:
عجبت إزراء الغبي بنفسه     ** وصمت الذي قد كان بالقول أعلما
وفي الصمت ستر للغبي وإنما ** صحيفة لب المرء أن يتكلمـــــــا

ويحكى أن رجلاً وجد أعرابيًا عند الماء، فلاحظ الرجل أن حِمل البعير كبير، فسأل الأعرابي عن محتواه فقال الأعرابي: كيس يحتوي على المؤونة، والكيس المقابل يحتوي ترابًا ليستقيم الوزن في الجهتين!

فقال الرجل: لما لا تستغني عن كيس التراب، وتنصف كيس المؤونة في الجهتين فتكون قد خففت الحمل على البعير؟، فقال الأعرابي: صدقت، ففعل ما أشار إليه ثم عاد يسأله، هل أنت شيخ قبيلة، أم شيخ دين؟

فقال الرجل: لا هذا ولا ذاك بل رجل من عامة الناس، فقال الأعرابي: قبحك الله لا هذا ولا ذاك ثم تشير علي، فأعاد حمولة البعير كما كانت.

اضافة تعليق