حلم معاوية.. ماذا لو كنت في هذه المواقف؟

الأربعاء، 17 أكتوبر 2018 10:24 ص
6-10


عندما يذكر الصحابي معاوية بن أبي سفيان يذكر "الحلم والأناة"، وسعة الصدر وحسن السياسة، وقد ساد الناس وساسهم طيلة 40 عامًا في إمارته، ومما ترويه كتب السير والتاريخ من مواقف نادرة لهذا الصحابيالجليل تكشف عن حسن سياته وعمق حلمه.


من ذلك ما رواه السهيلي في "الروض الأنف": مر معاوية وهو يطوف بالبيت، ومعه جنده فزحموا السائب بن صيفي بن عابد فسقط فوقف عليه معاوية - وهو يومئذ خليفة- فقال ارفعوا الشيخ فلما قام، قال ما هذا يا معاوية؟ تصرعوننا حول البيت؟ أما والله لقد أردت أن أتزوج أمك.

فقال معاوية ليتك فعلت، فجاءت بمثل أبي السائب يعني عبد الله بن السائب.

ومن ذلك أيضًا ما رواه الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، أن معاوية قدم المدينة، فلقيه أبو قتادة فقال: تلقّاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار، فما منعكم؟، قالوا: لم يكن لنا دواب، قال: فأين النواضح؟- يعني الإبل- قال أبو قتادة: عقرناها في طلب أبيك يوم بدر، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لنا: "إنكم ستلقون بعدي أثرة". قال معاوية: فما أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر، قال: فاصبروا.


ويكشف الحافظ ابن كثير كيف كان معاوية يسود الناس بحلمه فيقول: قال معاوية: يا بني أمية فارقوا قريشًا بالحلم، فوالله لقد كنت ألقى الرجل في الجاهلية فيوسعني شتمًا وأوسعه حلمًا، فأرجع وهو لي صديق، إن استنجدته أنجدني، وأثور به فيثور معي، وما وضع الحلم عن شريف شرفه، ولا زاده إلا كرما وقال: آفة الحلم الذل.

وقال: لا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله، وصبره شهوته، ولا يبلغ الرجل ذلك إلا بقوة الحلم.

ولعل أغرب ما ورد في ذلك هو ما روي عن الصحابي قال عبد الله بن الزبير- رضي الله عنهما- على الرغم من خلافه مع بني أمية، حيث قال عن معاوية: "لله در ابن هند، إن كنا لنفرقه وما الليث على براثنه بأجرأ منه، فيتفارق لنا، وإن كنا لنخدعه، وما ابن ليلة من أهل الأرض بأدهى منه فيتخادع لنا، والله لوددت أنا متعنا به ما دام في هذا الجبل حجر"، وأشار إلى أبي قيس.

وقال رجل لمعاوية: من أسود الناس؟ فقال: أسخاهم نفسًا حين سأل، وأحسنهم في المجالس خلقا، وأحلمهم حين يستجهل.

وعن ابن عباس أنه قال: قد علمت بم غلب معاوية الناس، كانوا إذا طاروا وقع، وإذا وقع طاروا، وقال غيره: كتب معاوية إلى نائبه زياد: إنه لا ينبغي أن يسوس الناس سياسة واحدة باللين فيمرحوا، ولا بالشدة فيحمل الناس على المهالك، ولكن كن أنت للشدة والفظاظة والغلظة، وأنا للين والألفة والرحمة، حتى إذا خاف خائف وجد بابًا يدخل منه.

وقد قيل لمعاوية: أيكم كان أشرف، أنتم أو بنو هاشم؟ قال: كنا أكثر أشرافًا وكانوا هم أشرف، فيهم واحد لم يكن في بني عبد مناف مثل هاشم، فلما هلك كنا أكثر عددًا وأكثر أشرافًا، وكان فيهم عبدالمطلب ولم يكن فينا مثله، فلما مات صرنا أكثر عددًا وأكثر أشرافًا، ولم يكن فيهم واحد كواحدنا، فلم يكن إلا كقرار العين حتى قالوا: منا نبي، فجاء نبي لم يسمع الأولون والآخرون بمثله، محمد صلى الله عليه وسلم، فمن يدرك هذه الفضيلة وهذا الشرف؟.

وقد أجمل الذهبي في "سير أعلام النبلاء" عن معاية حينما قال: حسبك بمن يؤمره عمر، ثم عثمان على إقليم - هو ثغر - فيضبطه، ويقوم به أتم قيام، ويرضي الناس بسخائه وحلمه، وإن كان بعضهم تألم مرة منه، وكذلك فليكن الملك.


وإن كان غيره من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - خيرا منه بكثير، وأفضل، وأصلح، فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله، وفرط حلمه، وسعة نفسه، وقوة دهائه ورأيه، وله هنات وأمور، والله الموعد، وكان محببا إلى رعيته.

عمل نيابة الشام عشرين سنة، والخلافة عشرين سنة، ولم يهجه أحد في دولته، بل دانت له الأمم، وحكم على العرب والعجم، وكان ملكه على الحرمين، ومصر، والشام، والعراق، وخراسان، وفارس، والجزيرة، واليمن، والمغرب، وغير ذلك.

وخلف معاوية خلق كثير يحبونه ويتغالون فيه، ويفضلونه، إما قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء، وإما قد ولدوا في الشام على حبه، وتربى أولادهم على ذلك.

وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة، وعدد كثير من التابعين والفضلاء، وحاربوا معه أهل العراق، ونشأوا على النصب - نعوذ بالله من الهوى -.

كما قد نشأ جيش علي - رضي الله عنه - ورعيته - إلا الخوارج منهم - على حبه، والقيام معه، وبغض من بغى عليه، والتبري منهم، وغلا خلق منهم في التشيع.

يقول الذهبي : بالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم، لا يكاد يشاهد فيه إلا غاليًا في الحب، مفرطًا في البغض، ومن أين يقع له الإنصاف والاعتدال؟ فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق، واتضح من الطرفين، وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين، وتبصرنا، فعذرنا،

واستغفرنا، وأحببنا باقتصاد، وترحمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة، أو بخطأ - إن شاء الله - مغفور، وقلنا كما علمنا الله: "ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا" (الحشر: 10) .

وترضينا أيضًا عمن اعتزل الفريقين، كسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، وسعيد بن زيد، وخلق.

وتبرأنا من الخوارج المارقين الذين حاربوا عليًا، وكفروا الفريقين، فالخوارج كلاب النار، قد مرقوا من الدين، ومع هذا فلا نقطع لهم بخلود النار، كما نقطع به لعبدة الأصنام والصلبان.

اضافة تعليق