لو كنت مدمنًا للحكايات.. احذر "كليلة ودمنة" قتلت ابن المقفع

الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018 01:31 م
ابن-المقفع


عرف الكاتب المشهور عبد الله بن المقفع بالبلاغة، والرسائل البديعة، وهو من أهل فارس، وكان مجوسيًا فأسلم على يد عيسى بن علي عم السفاح والمنصور، الخليفتين الأولين من خلفاء بني العباس، ثم كتب له واختص به. 

العجيب أن ابن المقفع قال لعيسى بن علي أحد وجهاء بني العباس: قد دخل الإسلام في قلبي، وأريد أن أسلم على يدك، فقال له عيسى: ليكن ذلك بمحضر من القواد ووجوه الناس، فإذا كان الغد فاحضر؛ ثم حضر طعام عيسى عشية ذلك اليوم، فجلس ابن المقفع يأكل ويزمزم على عادة المجوس، فقال له عيسى: أتزمزم وأنت على عزم الإسلام، فقال: أكره أن أبيت على غير دين، فلما أصبح أسلم على يده.


وكان ابن المقفع مع فضله يتهم بالزندقة، فحكى الجاحظ أن ابن المقفع ومطيع بن إياس ويحيى بن زياد كانوا يتهمون في دينهم.

كما أن المهدي بن المنصور الخليفة كان يقول: ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع.

وقد كان أبو جعفر المنصور نظر في الفقه والأدب ومن ضمن الحوادث التي ظهرت في عصره قتل عبد الله بن المقفع ـ الأديب المشهور ـ وقد كان ابن المقفع أحد البلغاء والفصحاء وكان رأسًا في كتابة الإنشاء من نظراء عبد الحميد الكاتب.

وتعددت الروايات حول مقتل "ابن المقفع"، منها أن عبد الله بن علي، حينما خرج على ابن أخيه أبي جعفر المنصور وظفر أبوجعفر بعمه عبد الله بن علي، أخذت بنو العباس المواثيق على أبي جعفر بعدم الغدر بعمه ووثقوا وشدّدوا في الشروط، وكان كاتب الشروط عبد الله بن المقفع وقد تأنق فيها فجعل يقول: "في حل من بيعته"، فكتب إلى عامله سفيان المهلبي يأمره بقتل ابن المقفع.


بينما يرى البعض أن مقتل "ابن المقفع" كان بسبب كتاب "كليلة ودمنة" أو بالأحرى أحد أبواب هذا الكتاب وهو باب "ابن الملك والطائر فنزة" فمن المعروف أن ابن المقفع هو الذي قام بتعريب كتاب "كليلة ودمنة" من الفارسية إلى العربية ولكنه تدخل في هذا الكتاب وخاصة في باب "ابن الملك والطائر فنزة" ونال من أبي جعفر المنصور وعرّاه بعبارات لا مزيد عليها، ومفاد الحكاية كما هي مذكورة في كليلة ودمنة: ـ

"أن أحد ملوك الهند كان له طائر يقال له فنزة، وكان له فرخ وكان هذا الطائر وفرخه ينطقان بأحسن منطق، وكان الملك بهما معجبًا، فأمر بهما أن يجعلا عند امرأته، وأمرها بالمحافظة، عليهما. واتفق أن امرأة الملك ولدت غلامًا، فأَلِف الفرخ الغلام، وكلاهما طفلان يلعبان جميعًا.

وكان فنزة يذهب إلى الجبل كل يوم، فيأتي بفاكهة لا تعرف، فيطعم ابن الملك شطرها، ويطعم فرخه شطرها، فأسرع ذلك في نشأتهما وزاد في شبابهما، فازداد فنزة تعظيماً ومحبة عند الملك، حتى إذا كان يوم من الأيام وفنزة غائب في اجتناء الثمرة وفرخه في حجر الغلام ذَرَق في حِجْره، فغضب الغلام وأخذ الفرخ، فضرب به الأرض فمات، ثم إن فنزة أقبل فوجد فرخه مقتولاً، فصاح وحزن وقال: قبحاً للملوك الذين لا عهد لهم ولا وفاء، ويل لمن ابتلى بصحبة الملوك الذين لا حميّة لهم ولا حرمة، ولا يحبون أحدًا ولا يكْرُم عليهم إلا إذا طمعوا فيما عنده من غَنَاء، واحتاجوا إلى ما عنده من علم: فيكرمونه لذلك، فإذا ظفروا بحاجتهم منه فلا ودَّ ولا إخاء ولا إحسان ولا غفران ذنب ولا معرفة حق هم الذين أمرهم مبني على الرياء والفجور.. ومنهم هذا الكفور الذي لا رحمة له الغادر بأليفه وأخيه.. ثم وثب في شدة حنقه على وجه الغلام ففقأ عينه.." ثم دار حوار بعد ذلك بين الطائر والملك.

ولعل تلك الحملة الضارية على الحكام والملوك وظلمهم ترجع أن هذا الحوار ـ على الأقل ـ من إبداع ابن المقفع ولعله من بين العوامل التي أدت إلى قتله، لأن الحوار جاء أكثر تعبيرًا عن لسان حاله منه عن لسان حال المؤلف الهندي والمترجم الفارسي،- اللذين كتبا كليلة ودمنة قبل ابن المقفع-  لأن الأول كما هو مذكور في مقدمة كتاب كليلة ودمنة كتب الكتاب بتشجيع من الملك الهندي "دبشليم" بل بطلب منه مُلّحٍ بعد أن آب إلى العدل والحكمة بسبب نصائح بيدبا وإخلاصه، وهَجَر الظلم كلية.

 أما الثاني، فقد نقل الكتاب بدوره بإلحاح من الملك خسرو وتمويل سخي منه، فضلاً عن أنه كان من أكثر ملوك فارس اشتهارًا بالعدل لذا فلم يكن لدى بيدبا، وبرزويه المترجم الفارسي دوافع لمثل هذه الحكمة الضارية على ظلم الملوك، في حين أن هذا الدافع متوفر في حالة ابن المقفع وموقفه من أبي جعفر المنصور الذي لم يفت عليه مغزى هذه الجملة فكانت من بين العوامل التي أوغرت صدره عليه.

اضافة تعليق