أغرب معركة مخابراتية لصحابي مع قريش.. هذه نتيجتها

الإثنين، 15 أكتوبر 2018 03:03 م
1

اشتهر الكثير من الصحابة - رضوان الله عنهم-  بالكثير من الذكاء وحسن التصرف في الأمور العظيمة بوافر العقل وتدبير الأمور، ومن ذلك ما حدث مع الصحابي "الحجاج بن علاط السلمي" ، الذي خدع قريشًا بأكملها، على ما فيها من عقول كبيرة، وأصحاب الرأي والسداد.

حدث ذلك أثناء فتح خيبر، حينما كان النبي صلي الله عليه وسلم بجيشه يفتح بخيبر، وظفر باليهود، وفتح حصونهم، وقتا فرسانهم، كان للحجاج بن علاط شأن آخر مع قريش في معركة مخابراتية  دونتها كتب السير والمغازي.

وكان بين قريش حين سمعوا بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر تراهن عظيم، وتبايع، فمنهم من يقول: يظهر محمد وأصحابه، ومنهم يقول: يظهر الحليفان ويهود خيبر.

في ذلك الوقت، كان الحجاج بن علاط السلمي قد أسلم وشهد فتح خيبر، وكانت زوجته أم شيبة أخت بني عبد الدار بن قصي، وكان مكثرًا من المال، كانت له معادن بأرض بني سليم.
 فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على خيبر، قال الحجاج: إن لي ذهبًا عند امرأتي، وإن تعلم هي وأهلها بإسلامي فلا مال لي، فائذن لي، فلأسرع السير وأسبق الخبر، ولأخبرن أخبارًا إذا قدمت أدرأ بها عن مالي ونفسي. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعند قدومه إلى مكة قال لامرأته: أخفي علي واجمعي ما كان لي عندك من مال؛ فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه؛ فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم، وإن محمدًا قد أسر وتفرق عنه أصحابه، وإن اليهود قد أقسموا لتبعثنّ به إلى مكة ثم لتقتلنه بقتلاهم بالمدينة، وفشا ذلك بمكة، واشتد على المسلمين وبلغ منهم.

وأظهر المشركون الفرح والسرور، فبلغ العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم جلبة الناس، وإظهارهم السرور، فأراد أن يقوم ويخرج فانخزل ظهره، فلم يقدر على القيام، فدعا ابنا له يقال له: قثم، وكان يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل العباس يرتجز ويرفع صوته لئلا يشمت به أعداء الله:

حبي قثم حبي قثم ** شبيه ذي الأنف الأشم
نبي ربي ذي النعم **  برغم أنف من رغم

وحشر إلى باب داره رجال كثيرون من المسلمين والمشركين، منهم المظهر للفرح والسرور، ومنهم الشامت المغري، ومنهم من به مثل الموت من الحزن والبلاء، فلما سمع المسلمون رجز العباس وتجلده، طابت نفوسهم، وظن المشركون أنه قد أتاه ما لم يأتهم، ثم أرسل العباس غلامًا له إلى الحجاج وقال له: اخل به وقل له: ويلك ما جئت به وما تقول؟ فالذي وعد الله خيرًا مما جئت به.

فلما كلمه الغلام قال له: اقرأ على أبي الفضل السلام، وقل له: فليخل بي في بعض بيوته حتى آتيه؛ فإن الخبر على ما يسره.
فلما بلغ العبد باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل، فوثب العباس فرحًا كأنه لم يصبه بلاء قط، حتى جاءه وقبل ما بين عينيه، فأخبره بقول الحجاج فأعتقه، ثم قال: أخبرني.

قال: يقول لك الحجاج: اخل به في بعض بيوتك حتى يأتيك ظهرًا، فلما جاءه الحجاج وخلا به، أخذ عليه لتكتمن خبري، فوافقه على ذلك، فقال له الحجاج: جئت وقد افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وغنم أموالهم، وجرت فيها سهام الله، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى "صفية بنت حيي" لنفسه وأعرس بها، ولكن جئت لمالي أردت أن أجمعه وأذهب به، وإني استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول، فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف علي ثلاثا ثم اذكر ما شئت.
قال: فجمعت له امرأته متاعه، ثم انشمر راجعاً، فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال: ما فعل زوجك؟ قالت: ذهب، وقالت: لا يحزنك الله يا أبا الفضل، لقد شق علينا الذي بلغك.

 فقال: أجل، لا يحزنني الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أحب، فتح الله على رسوله خيبر وجرت فيها سهام الله، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه، فإن كان لك في زوجك حاجة فالحقي به.

قالت: أظنك والله صادقًا، قال: فإني والله صادق والأمر على ما أقول لك.

 قالت: فمن أخبرك بهذا؟ قال: الذي أخبرك بما أخبرك، ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش، فلما رأوه قالوا: هذا والله التجلد يا أبا الفضل، ولا يصيبك إلا خير.

 قال: أجل، لم يصبني إلا خير، والحمد لله أخبرني الحجاج بكذا وكذا، وقد سألني أن أكتم عليه ثلاثًا لحاجة، فرد الله ما كان للمسلمين من كآبة وجزع على المشركين، وخرج المسلمون من مواضعهم حتى دخلوا على العباس، فأخبرهم الخبر، فأشرقت وجوه المسلمين.


وقد علق العلامة ابن القيم في زاد المعاد علي هذه الواقعة بقوله: أنه يجوز كذب الإنسان على نفسه وعلى غيره إذا لم يتضمن ضرر ذلك الغير إذا كان يتوصل بالكذب إلى حقه، كما كذب الحجاج بن علاط على المسلمين حتى أخذ ماله من مكة من غير مضرة لحقت المسلمين من ذلك الكذب.

 وأما ما نال من بمكة من المسلمين من الأذى والحزن فمفسدة يسيرة في جنب المصلحة التي حصلت بالكذب، ولا سيما تكميل الفرح والسرور وزيادة الإيمان الذي حصل بالخبر الصادق بعد هذا الكذب، فكان الكذب سببا في حصول هذه المصلحة الراجحة، ونظير هذا الإمام والحاكم يوهم الخصم خلاف الحق؛ ليتوصل بذلك إلى استعلام الحق، كما  "أوهم سليمان بن داود إحدى المرأتين بشق الولد نصفين حتى توصل بذلك إلى معرفة عين الأم".

اضافة تعليق