"ضرب زيد عمرو".. أشهر أمثلة النحو يفجر أزمة سياسية

الإثنين، 15 أكتوبر 2018 02:48 م
14

جرت العادة في كل علم من علوم الشريعة، وفنون العربية على ضرب الأمثلة، لأجل توصيل المسائل في أبسط صورة وتقريب الأمور لذهن القارىء في أبسط صورة.

ولعل أبرز ما جري به ضرب المثل ما جاء في كتب النحو عن "زيد" و "عمرو"، حيث صارت كتب النحو على اختلاف تصانفيها، لا تخلو من "عمرو" ولا "زيد".

كان لهذه الأمثل الأبرز في كتب النحو شأن آخر مع "داود باشا" والي العراق، الذي كان عاشقًا للنحو، مستضيفًا للنحاة، وذلك عندما أراد أن يتقن العربية ويتفنن في أساليبها، ويقف علي أسرارها ونوادرها، فأحضر أحد اللغويين الكبار في عصره وأخذ يتعلم على يديه.

وكان عالم النحو يقرأ على "داود باشا"، فصلاً من فصول النحو ويفسر له قواعده بأمثلة قديمة، لكنه شعر بالملل من تلك الأمثلة ومن أشهرها "ضرب زيد عمرًا"، حيث سأل أستاذه على سبيل المداعبة عن الذنب أو الخطيئة التي ارتكبها عمرو ليستحق أن يضربه زيد كل يوم، وهل كان عمرو جبانًا وذليلاً النفس إلى هذه الدرجة حتى أنه يتقبل الإهانة وقبل بالضرب من " زيد"، دون أن يدافع عن نفسه وينتصر لحقه.

كان هذا سؤالاً ذهنيًا طرأ على خاطر "داود باشا" لعالم النحو الكبير، وقد ضحك العالم من السؤال، وقال للوالي: ليس هناك يا مولاي ضارب ولا مضروب، بل اعتاد علماء النحو منذ قديم الزمان أن يأتوا بأمثلة لتقريب القواعد النحوية والصرفية من أذهان طلاب اللغة العربية.

لكن "داود باشا" لم يعجبه هذا الجواب، وقال للنحوْي: لابد أن هناك جوابًا على سؤالي أفضل مما تقول، فسكت النحوي ولم يجد ما يقوله أمام هذه المسألة التافهة، لكن الوالي اعتبر سكوت العالم النحوي إهانة له، حيث أمره بسجنه ليلقة جزاء جهله.

وأمر الوالي جنوده بأن يحضروا علماء النحو إليه واحدًا بعد الآخر وألقي عليهم سؤاله العجيب: لماذا ضرب زيد عمرًا؟، فأجابوا بما أجاب به العالم الأول، فأمرهم بسجنهم جميعًا وأقفرت المدارس والكتاتيب من علماء النحو الذين ضاقت بهم السجون، وأصبحت قضية زيد وعمرو هي الشغل الشاغل للوالي وبطانته الذين انصرفوا عن جميع شئون الدولة ومصالحها حتي يجدوا جوابًا يرضي به الوالي عن سؤاله؟

وانتهت القصة بأن يرسل الوالي جواسيسه ورجال مخابراته للبحث في كل أنحاء العراق عن عالم في النحو يستطيع أن يقدم جوابًا مقنعًا للسؤال، وأخيرًا تم العثور علي شيخ كبير، فقدم تفسيرًا للضرب الذي نال عمرًا على يد زيد.

وقال الشيخ الكبير في جوابه: إن عمرو فيه واو زائدة، والذي حدث هو أن عمرًا سرق هذه الواو من اسم آخر هو "داود"، التي كان ينبغي أن تكون مكتوبة بواوين لا واو واحدة، أي علي هذه الصورة: داوود.

ولما كان داود هو اسم الوالي، فقد رأى النحاة أن عمرًا قد ارتكب جريمة السرقة من اسم آخر كريم، ولذلك فهو يستحق الضرب من زيد ومن غير زيد حتي يتأدب ولا يكرر سرقاته وجريمته.

وقد أعجب الوالي هذا الجواب الذكي المتملق فأكرم الشيخ الذي فعل ذلك وقال له: لا تخرج من عندي ما لم تطلب مني ما تشاء فأمرك مطاع، فما كان من الشيخ إلا أن طلب إطلاق سراح زملائه المساجين من علماء النحو، وإعادة صرف رواتبهم إليهم، فوافق الوالي علي ذلك، ولكنه اشترط على هؤلاء العلماء أن يصلحوا طريقة تعليمهم للغة العربية, وأن ينهجوا منهجًا جديدًا فيه تيسير على الناس حتي تصبح اللغة العربية يفهمها الجميع بدون صعوبة أو تعقيد في الأسلوب والشرح.

ومن نوادر النحاة أيضًا ما وقع مع عالم النحو الشهير في العصر العباسي أبو عثمان بكرالمازني، عندما طلبه الخليفة العباسي الواثق بن المعتصم، وكان الواثق على دراية بالنحو، والعالم ذكيًا فطنًا، فلم تتحول القضية إلى حبس وعقاب.

يقول أبو عثمان بكر المازني: فلما مثلت بين يديه قال: ممن الرجل؟، قلت: من بني مازن، قال: أي الموازن أمازن تميم، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة، قلت: من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قومي، وقال: باسمك لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميمًا.
 قال: فكرهت أن أجيبه على لغة قومي كيلا أواجهه بالمكر، فقلت: بكر يا أمير المؤمنين ففطن لما قصدته، وأعجب به.

اضافة تعليق