د. عمرو خالد يكتب: الإحسان حب وإتقان

الأحد، 14 أكتوبر 2018 02:20 م
اسليدر-د-عمرو

الإحسان ليس فقط إتقان العمل على الوجه المطلوب، بل فوق ذلك هو أداؤه بكل حب وإضفاء اللمسة الجمالية عليه، وهو يأتي بعد الإسلام والإيمان، وقد رغبّ الله تعالى فيه ودعا إليه في أكثر من موضع في القرآن.. فيقول: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ".


والإحسان نوعان: إحسان في العبادة، أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم يكن يراه فإنه يراك، أي أن تستحضر عظمة الله في صلاتك، فتعلم أنك واقف بين يديه ينظر إليك، وهكذا في كل أمور عبادتك.. أن تعبد الله بكل بحب.. فإذا ما كنت كذلك، وفاك أجرك الذي وعدك إياه "هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ".

أما النوع الثاني: فهو الإحسان إلى الخلق، بإعطاء كل ذي حق حقه، والقيام بالعمل المطلوب على أحسن ما يكون الأداء.. في عملك.. إتقان مقترن بالجمال.. "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".. مع والديك.. الإحسان إليهما ببرهما بالمعروف وطاعتهما في غير معصية "وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا"..

الإحسان إلى الجار.. أن تتعامل معه بكل ذوق وأدب.. وأن تكف الأذى عنه "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره".. الإحسان إلى اليتامى والمساكين بالمحافظة على حقوقهم، والعطف عليهم "وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ".. في التحية "وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا"..

في الجدل "وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ".. في الكلام "وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ".. في الزواج "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ".. في الطلاق "الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ"..

في التعامل مع الحيوانات بالرفق بها وإطعامها.. واتباع الهدي النبوي عند الذبح.. فلاتذبح حيوانًا أمام آخر "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح".

وأول خيط لبلوغ درجة الإتقان والإحسان.. هو إدراك قيمة الوقت وعدم إهداره في غير ما ينفع.. وقد نبهنا الله إلى ذلك في سورة "العصر".. فقال: "وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ".. كأن ربنا يقول لك: اعصر عمرك عصرًا، احذر من أن تضيع عمرك.. اعصره لتخرج أفضل ما فيه لخيرك وخير البشر. اعصـروا أعماركم أيها الناس وإلا فإن "إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْر".. استغل وقتك فيما ينفع دينك ودنياك، حتى لاتكون من الغافلين الخاسرين.

الإحسان بلغة العصر هو الوصول إلى درجة عالية من الإتقان تحصل فيها على "شهادة الإيزو".. وهو سر من أسرار تفوق الغرب، بعد أن أصبح "الإتقان" سمة أساسية من سمات الإنسان هناك، فهو يعرف واجباته قبل أن يطالب بحقوقه، فتجدي يؤدي عمله بدرجة كبيرة من الحب والإتقان، يعي جيدًا ما هو مطلوب منه، ولسنا أقل من هؤلاء حتى نكون بارعين مثلهم.. إذا ما ركزنا في عملنا وأتقن أصوله وقواعده.

الشاعر يقول: "وبضدها تعرف الأشياء".. فإذا كان الإتقان هو المحطة التي تقودنا للوصول إلى الإحسان.. فإن عكسه هو خيانة أمانة.. غش أو إهمال.. وهي آفة خطيرة أصيبت بها مجتمعاتنا الآن.. فنرى طبيبًا أعطى المريض، جرعة تخدير زائدة، أو نسي فوطة داخل بطنه أثناء العملية.. أو مهندسًا مسئولاً عن تشييد بناية، كان سببًا في وفاة الآخرين نتيجة انهيارها.. وما شابه.

كان جمع القرآن الكريم في مصحف واحد معجزة في الإتقان.. سيدنا زيد بن ثابت يقول "لو كلفوني بنقل جبل لكان أهون علي من جمع القرآن".. هذه روح من يريد الإتقان.. عندما قام "ذو القرنين" ببناء السد.. أعد العدة لذلك جيدًا، ونفذ عملية البناء في وقت محدد قبل أن يأتي يأجوج ومأجوج.. وهو ما جعل السد باقيًا إلى اليوم.

الإبداع الجمالي وإتقانه شيء يفتخر به المسلم وليس تضييع مال وأبهة بلا فائدة.. بلقيس ملكة سبأ أسلمت وقومها لما رأوه من إتقان جمالي حضاري.. "قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ"، صرح أرضه وسقفه وجدرانه كلها زجاج.

عندما أوكلت إلى سيدنا يوسف مهمة إنقاذ مصر في أعوام القحط والجدب، عكف على وضع خطة اقتصادية أشرف على تنفيذها بكل دقة وعناية.. فجعله الله سببًا لنجاة البلاد والعباد.. وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لايحب المفسدين.

اضافة تعليق