سمعت عن كرم "حاتم الطائي".. لكن هل سمعت عن هؤلاء الأشقاء؟

السبت، 13 أكتوبر 2018 02:51 م
6-10

عندما يذكر العربي يذكر الكرم، وللعرب في ذلك شئون ومآثر وكرم، وكان أبرز الكرماء في ذلك هو "حاتم الطائي"، وقد كان كريمًا بالفطرة، إلي جانب ما اشتهر عنه من مآثر في الكرم حافظ عليها واشتهر بها.

روي العلامة الأبشيهي في كتابه "المستطرف من كل فن مستظرف" أن والدة حاتم الطائي كانت طاعنة في السن، وعاشت بعده، وبعد موت حاتم جاء أخوه ليقوم في الناس بالكرم، فسأل والدته عن ذلك فقالت له: إنك لا تصلح في هذا الأمر، فقال لها: لما يا أمّاه، قالت لأنك لست مثل أخيك، فسألها عن ذلك.

فقالت له: عندما ولدت أخاك، كانت أقدم له ثديي للرضاع فيبكي، ولا يرضع، حتي آتي له برضيع من الحي يرضع معه في الثدي الآخر، أما أنت فكنت تضع الثدي في فمك، ويدك علي الآخر، حتي لا يزاحمك أحد في الرضاع.

وذكر المؤرخ ابن خلكان عن الراوية والإخباري "الهيثم بن عدي"، وهو من طيء أيضًا، أنه نقل الكثير من كلام العرب وعلومها وأشعارها ولغاتها، وكان أبوه نازلاً بواسط، وكان خيرًا.
وكان الهيثم يتعرض لمعرفة أصول الناس ونقل أخبارهم، فأورد معايبهم وأظهرها وكانت مستورة فكره لذلك، ونقل عنه أنه ذكر العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه بشيء، فحبس لذلك عدة سنين، ويقال إنه نقل زورًا، ولبسوا عليه ما لم يقل، وكان قد صاهر قومًا فلم يرضوه، فأذاعوا ذلك عنه، وحرفوا الكلام.
واختص الهيثم بن عدي بمجالسة المنصور والمهدي والهادي والرشيد وروى عنهم.
قال الهيثم: قال لي المهدي: ويحك يا هيثم، إن الناس يخبرون عن الأعراب شحًا ولؤمًا وكرمًا وسماحًا، وقد اختلفوا في ذلك، فما عندك فقلت: على الخبير سقطت، خرجت من عند أهلي أريد ديار فرائد، لي، ومعي ناقة أركبها، قد فذهبت، فجعلت أتبعها حتى أمسيت فأدركتها.

ونظرت فإذا خيمة أعرابي فأتيتها، فقالت ربّة الخباء: من أنت فقلت: ضيف، فقالت: وما يصنع الضيف عندنا إن الصحراء لواسعة، ثم قامت إلى بر فطحنته، ثم عجنته وخبزته وقعدت فأكلت، ولم ألبث أن أقبل زوجها ومعه لبن، فسلم ثم قال: من الرجل فقلت: ضيف، فقال: مرحبًا حياك الله، فدخل الخباء وملأ قعبًا من لبن، ثم أتاني به وقال: اشرب، فشربت شرابًا هنيئًا، فقال: ما أراك أكلت شيئًا، وما أراها أطعمتك، فقلت: لا والله، فدخل إليها مغضبًا، وقال: ويلك أكلت وتركت ضيفك، فقالت: وما أصنع به أطعمه طعامي وجاراها في الكلام حتى شجّها، ثم أخذ شفرة وخرج إلى ناقتي فنحرها فقلت: ما صنعت عافاك الله لا والله لا يبيت ضيفي جائعًا، ثم جمع حطبًا وأجج نارًا، وأقبل يكبب ويطعمني ويأكل ويلقي إليها ويقول: كلي لا أطعمك الله، حتى إذا أصبح تركني ومضى.

يقول: فقعدت مغمومًا، فلما تعالى النهار أقبل ومعه بعير ما يسأم الناظر أن ينظر إليه، فقال: هذا مكان ناقتك، ثم زودني من ذلك اللحم ومما حضره، وخرجت من عنده، فضمني الليل إلى خباء، فسلمت، فردت صاحبة الخباء السلام، وقالت: من الرجل فقلت: ضيف، فقالت: مرحبًا بك وحياك الله وعافاك، فنزلت، ثم عمدت إلى بر فطحنته وعجنته، ثم خبزته خبزة روتها بالزبد واللبن، ثم وضعته بين يدي فقالت: كل واعذر، فلم ألبث أن أقبل أعرابي كريه الوجه، فسلم فرددت عليه السلام، فقال: من الرجل قلت: ضيف، قال: وما يفعل الضيف عندنا، ثم دخل إلى أهله، فقال: أين طعامي فقالت: أطعمته للضيف، فقال: أتطعمين الضيف طعامي فتجاريا الكلام، فرفع عصاه وضرب بها رأسها فشجها، فجعلت أضحك، فخرج إلي فقال: ما يضحكك قلت: خير، فقال: والله لتخبرني، فأخبرته بقضية  المرأة والرجل اللذين نزلت عندهما قبله، فأقبل علي وقال: إن هذه التي عندي هي أخت ذلك الرجل، وتلك التي عنده أختي، فبت ليلتي متعجبًا وانصرفت.

يقول ابن خلكان: ويقرب من هذه الحكاية ما روي أن رجلاً من الأولين كان يأكل وبين يديه دجاجة مشوية، فجاءه سائل فرده خائبًا، وكان الرجل مترفًا فوقع بينه وبين امرأته فرقة، وذهب ماله، وتزوجت امرأته، فبينما الزوج الثاني يأكل وبين يديه دجاجة مشوية جاءه سائل فقال لامرأته: ناوليه الدجاجة، فناولته، ونظرت إليه فإذا هو زوجها الأول، فأخبرته بالقصة، فقال الزوج الثاني: أنا والله ذلك المسكين الأول الذي خيبني، فحول الله نعمته وأهله إلي لقلة شكره.

اضافة تعليق