امرأة أنقذت "صقر قريش" من الموت.. فأصبح حاكمًا للأندلس

السبت، 13 أكتوبر 2018 02:17 م
6-10

التاريخ دائمًا يجود بالأعاجيب، لكن قصة عبد الرحمن الداخل المعروف بـ "صقر قريش"، قل أن يجود بها التاريخ، ولا يملك أي شخص، سواء كان قارئًا أو مؤرًخا، مهما اختلف مع شخصه أو سياساته، إلا التعاطف معه، والنظر إليه بتقدير واحترام كرجل دولة ومؤسس كبير للإمارة الأموية في بلاد الأندلس.

كان حفيدًا للخليفة الأموي هشام بن عبد الملك فهو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أمير الأندلس وسلطانها.

وقد اشتهر بـ" الداخل"؛ لأنه حين انقرضت خلافة بني أمية من الدنيا، وقتل مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وقامت دولة بني العباس، هرب إلى الأندلس، وتملكها.

وفر من مصر، في آخر سنة اثنتين وثلاثين لعد المائة من الهجرة، إلى أرض برقة، فبقي بها خمس سنين، ثم دخل المغرب، فنفذ مولاه بدرًا يتجسس له، فقال للمضرية: لو وجدتم رجلاً من بيت الخلافة، أكنتم تبايعونه؟
 قالوا: وكيف لنا بذلك؟، فقال: هذا عبد الرحمن بن معاوية، فأتوه، فبايعوه، فتملك الأندلس ثلاثًا وثلاثين سنة، وبقي الملك في عقبه إلى سنة أربع مائة، ولم يتلقب بالخلافة، لا هو ولا أكثر ذريته، إنما كان يقال: الأمير فلان.

وأول من تلقب بأمير المؤمنين منهم: الناصر لدين الله، في حدود العشرين وثلاثمائة من الهجرة، عندما بلغه ضعف خلفاء العصر، فقال: أنا أولى بإمرة المؤمنين.

قصة الهروب:

وقد فر الداخل من المشرق عند انقراض ملكهم، هو وأخوان أصغر منه، وغلام لهم، فلم يزالوا يخفون أنفسهم، والجعائل قد جعلت عليهم، والمراصد، فسلكوا حتى وصلوا وادي بجاية، فبعثوا الغلام يشتري لهم خبزًا، فأنكرت الدراهم، وقبض على الغلام، وضرب، فأقر فأركبوا خيلاً، فرأى عبد الرحمن الفرسان، فتهيأ للسباحة، وقال لأخويه: اسبحا معي. فنجا هو، وقصرا، فأشاروا إليهما بالأمان، فلما حصلا في أيديهم، ذبحوهما، وأخوهما ينظر من هناك، ثم آواه شيخ كريم العهد، وقال: لأسترنك جهدي.
وقد وقع عليه التفتيش ببجاية، إلى أن جاء الطالب إلى دار الشيخ، وكان له امرأة ضخمة، فأجلسها تتسرح، وأخفى عبد الرحمن تحت ثيابها، وصاح الشيخ: يا سبحان الله! الحرم.
فقالوا: غط أهلك، وخرجوا، وستره الله مدة، ثم دخل الأندلس في قارب سماك، حتي وصل للأندلس.
وكان قواد الأندلس وجندها موالي بني أمية، فبعث إلى قائد، فأعلمه بشأنه، فقبل يديه، وفرح به، وجعله عنده، ثم قال: جاء الذي كنا نتحدث أنه إذا انقرض ملك بني أمية بالمشرق، نبغ منهم عبدالرحمن بالمغرب، ثم كتب إلى الموالي، وعرفهم، ففرحوا، وأصفقوا على بيعته، واستوثقوا من أمراء العرب، وشيوخ البربر.
وعندما استحكم الأمر، أظهروا بيعته بعد ثمانية أشهر، وذلك في ربيع الآخر، سنة ثمان وثلاثين ومائة، فقصد قرطبة، ومتولي الأندلس يومئذ: يوسف الفهري، فاستعد جهده، فالتقوا، فانهزم يوسف، ودخل عبد الرحمن بن معاوية الداخل قصر قرطبة يوم الجمعة، يوم الأضحى.
ثم حاربه يوسف ثانيا ودخل قرطبة، واستولى عليها، وكر عبدالرحمن عليه، فهرب يوسف، والتجأ إلى غرناطة، فامتنع بإلبيرة، فنازله عبد الرحمن، وضيق عليه، ورأى يوسف اجتماع الأمر للداخل، فنزل بالأمان بمحضر من قاضي الأندلس يحيى بن يزيد التجيبي، وكان رجلا صالحا، ممن استعملهم سابقا على القضاء عمر بن عبد العزيز، فزاده الداخل إجلالا وإكراما، فبقي على قضائه إلى أن مات سنة اثنتين وأربعين ومائة.
صفات صقر قريش:
وكان الداخل يتمتع بكثير من الخلال الباهرة، وقد أجمل ابن حيان مؤرخ الأندلس الكبير صفاته في تلك العبارات القوية، حيث قال: " كان عبد الرحمن راجح الحلم، فاسح العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم، نافذ العزم، بريئاً من العجز، سريع النهضة في طلب الخارجين عليه، متصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دعة، ولا يكل الأمور إلى غيره، تم لا ينفرد في إبرامها برأيه، شجاعًا مقدامًا، بعيد الغور، شديد الحذر قليل الطمأنينة، بليغاً، مفوهاً، شاعرًا، محسنًا، سمحًا، سخيًا، طلق اللسان".
وهذا التصوير الرائع الذي يقدمه لنا ابن حيان عن خلال تلك الشخصية الممتازة، إنما هو صورة بارزة من صور العظمة والبطولة، توضحها في جملتها، وفي تفاصيلها حياة عبد الرحمن في جميع أدوارها.

كما يشبهه ابن حيان أيضًا بأبى جعفر المنصور في قوة الشكيمة، ومضاء العزم، وفي القسوة والصرامة والاجتراء على الكبائر.

شهادة خصومه:
وإذا كانت هذه الصفات والخلال القوية المثيرة معا، لا تحمل على الحب، فإنها تحمل على الإعجاب بلا ريب، بل إن المتأمل ليشعر بعطف خاص نحو هذه الشخصية الفريدة، ويرجع ذلك بلا ريب إلى تلك الحياة المؤثرة، التي خاض عبد الرحمن غمارها، وتلك المحن الأليمة التي نزلت بأسرته، وتلك الجهود الفادحة التي بذلها لاسترداد حقه وحق أسرته في الحياة والرياسة.

وكانت هذه الحياة المؤثرة وما انتهت إليه من النتائج الباهرة، تحمل ألد خصوم عبد الرحمن على احترامه والإعجاب به، حتى لقد سماه أبو جعفر المنصور "صقر قريش" في حديث طريف تنقله إلينا الرواية، وهو أن المنصور قال يوما لبعض أصحابه، "من صقر قريش" من الملوك؟
قالوا: أمير المؤمنين الذي راض الملك وسكن الزلازل وحسم الأدواء، قال ما صنعتم شيئًا،  قالوا فمعاوية، قال ولا هذا، قالوا فعبد الملك بن مروان، قال لا، قالوا فمن يا أمير المؤمنين؟ قال: صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية، الذي تخلص بكيده عن سنن الأسنة وظباة السيوف، يعبر القفر، ويركب البحر، حتى دخل بلدًا أعجميًا منفردًا بنفسه، فمصّر الأمصار، وجنّد الأجناد، ودوّن الدواوين، وأقام ملكًا عظيمًا بعد انقطاعه، بحسن تدبيره وشدة شكيمته.
يقول أبو جعفر المنصور أيضًا: إن معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان وذلل له صعبه، وعبد الملك ببيعة أبرم عقدها، وأمير المؤمنين بطلب عزته واجتماع شيعته، أما عبد الرحمن فكان منفردًا بنفسه، مؤيدًا برأيه، مستصحبًا لعزمه، وطد الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور وقتل المارقين، وأذل الجبابرة الثائرين.

اضافة تعليق