كيف تبدو متواضعًا وقويًا؟.. عمر بن الخطاب يدلك و"BBC" تؤكد

السبت، 13 أكتوبر 2018 10:45 ص
كيف تبدو متواضعا وقويا


كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا رأى رجلاً يمشي منحنيًا متماوتًا، وكزه وقال له: "استقم، لاتمت علينا ديننا".

وقد رأى رجلاً يمشي وهو يحني ظهره، فقال لاصحابه: "ما بالُ هذا يمشي هكذا؟ أهكذا يكون النُّسك بالتماوت في المشية والهيئة؟، ثم قال للرجل: هيه، أمتَّ علينا ديننا أماتك الله، اعتدل في مشيتك وأظهر عزة الإسلام.. والتفت إلى أصحابه فقال: ما بال أقوام حسبوا الزهدَ ضعفًا والنسكَ تماوتًا، فإذا تحدث أحدهم خشعَ بصوته وإذا مشى أحنى قامتَه وإذا قام في الصلاة نكسَ رأسه وكتفيه.. ألا يخشون مظنة المراء والتكلف والتظاهر؟!، فإن المراء في إظهار الورع و التخشع كالِمراء في الدين والتكبر، كلا الرجلين يريد أن يريَ الناسَ أنه خيرٌ منهم بالدين أو الدنيا.

في حين يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا"، فما وجه الاختلاف إذا بين ما جاء في كتاب الله سبحانه وبين كلام عمر بن الخطاب.

فشتان بين التواضع الذي امتدحه الله تعالى في كتابه، وبين المسكنة التي يظهر عليها المرء، في صورة تشبه المسلم بأنه إنسان ضعيف.

والمؤمنون "الذين يمشون على الأرض هونًا"، أي: بسكينة ووقار من غير جبرية، ولا استكبار، كما قال: "ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً" [الإسراء: 37] .

أما هؤلاء فإنهم يمشون من غير استكبار، ولا مرح، ولا أشر، ولا بطر، وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له. وقد كره بعض السلف المشي بتضعف، وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى شابا يمشي رويدا، فقال: ما بالك؟ أأنت مريض؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. فعلاه بالدرة، وأمره أن يمشي بقوة.

الإسلام سباق في أخلاقيات المرء

ولعل ما نشرته هيئة الإذاعة البريطانية "BBC" يكشف كيف سبق الإسلام لهذا الخلق، موضحة أن الكثير من ثقافات العالم ينزع إلى الإشادة بصفات التواضع وبالابتعاد عن العجرفة والغطرسة، لكن دراسة جديدة كشفت النقاب عن أن الميل للشعور بالفخر وإظهار ذلك أيضاً هو أمرٌ تطوّر عبر الزمن بداخل الإنسان لسبب وجيه، وأن مشاعر مثل هذه تلعب دورًا رئيسيًا في حياة البشر حتى في وقتنا الحاضر.

وأضافت أنه كما يشكل الشعور بالفخر المبالغ فيه سببًا لسقوط الكثير من الشخصيات، وأن الفخر والتكبر يجعلانا بغيضين في نظر من حولنا في أفضل الأحوال، ويؤديان إلى أن الفشل والكوارث في أسوأها.

لكن ربما لا يستحق الشعور بالفخر ما يُوصم به في بعض الأحوال من أنه قوةٌ ، فهناك أدلةٌ جديدةٌ تفيد بأن لهذا الشعور "وظيفةً تطوريةً" - أي مرتبطةٌ بالتطور البشري، وأنه يلعب كذلك دورًا مهمًا في الطريقة التي نتفاعل من خلالها مع العالم من حولنا.

يشير دانيل شنيتزر، أستاذ علم النفس في جامعة مونتريال، خلال دراسة علمية، أن إبداء الفخر "يُمثل إشهارًا وإعلانًا لنجاحاتك، وما لم يحدث ذلك، لن يعلم أحد طبيعة ما نجحت أنت فيه، ولا حجم التقدير الذي يتعين على الآخرين إبداؤه لذلك".

وقال إن الفخر بمهارة ما يشكل وسيلةً لإعلان أنك تتحلى بها وأنها مهمةٌ سواءٌ بالنسبة لك أو للمجتمع الذي تعيش فيه، وكونك متعلمًا أو ذا مظهرٍ شابٍ نضر، واكتشف الباحثون أن اعتقادنا أن شيئاً ما سيُشعرنا بالفخر، يعود لأننا سنبدو بفضله في صورةٍ أفضل في أعين الآخرين، وأن قدر الفخر الذي يغمرنا بفضل إنجازنا شيئاً ما يرتبط بشكلٍ قويٍ بحجم التقدير الذي يبديه الآخرون له.

وتقول جيسكا تريسي الباحثة البريطانية في مجال علم النفس، إن البراعة هنا تتمثل في التفريق ما بين الفخر المتغطرس المتعجرف الذي يرتبط بالعدوانية وتدني الثقة وضآلة تقدير الذات وقلة عدد الأصدقاء، وبين ما تصفه بـ"الفخر الحقيقي الصادق الأصيل"، وهو ذاك الذي يشعر به المرء عند تحقيقه لأهدافه وحينما يَحُسُ بالثقة في أنه جديرٌ بالاحترام والاهتمام والمعاملة الحسنة من جانب محيطه الاجتماعي.

وتضيف تريسي بالقول: "الكثير من الناس يفكرون فقط في 'الفخر السيء' وهو غطرسةٌ في واقع الأمر واستعلاء وهوسٌ بالنفس"، قائلةً في الوقت نفسه إن من يشعرون بـ"الفخر الحقيقي والصادق" بنجاحاتهم يتفاعلون مع العالم المحيط بهم على نحوٍ رائعٍ وجذابٍ "إذ أن لديهم علاقاتٍ اجتماعيةً عظيمةً، وينزعون للشعور بالتقدير الكبير للذات، كما تربطهم صلاتٌ وطيدةٌ بشركائهم (في العلاقات الرومانسية أو الحميمة)، ولديهم سماتٌ شخصيةٌ مثاليةٌ".

ويتمثل العنصر الأساسي في تحقيق هذه المعادلة - كما تقول تريسي - في أن يركز المرء على إنجاز أهدافٍ بعينها واكتساب خصالٍ وصفاتٍ محددةٍ، بدلاً من أن يولي اهتمامه الأكبر لأن ينال من الآخرين مشاعر التقدير له في حد ذاتها.

وخلصت إلى القول بأن الأنانية ربما لا تكون أمرًا مثاليًا، ولكن ماذا عن جرعةٍ صحيةٍ ومُبررةً تماماً من الشعور بالفخر؟ لذا فلتمض قدمًا، وتحتفي بهذه الفكرة وتقتنع بصحتها، فثمة سببٌ كامنٌ في تركيبتك الإنسانية يجعلك تشعر بهذا النوع من الفخر.

اضافة تعليق