"كبار وتخاصموا".. لابد أن نعترف أننا بشر

الجمعة، 12 أكتوبر 2018 10:28 ص
0


لابد أن نعترف أننا بشر ، يلحقنا ما يلحق البشر، حتي في عصر الرسالة كانت الأخطاء تقع، والنفوس يعتورها ما يعتور البشر، لكن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين كانوا لا يخلطون ما وقع بينهم من أمور وحظوظ نفسية إلي رفض الحق، وإقامة العدل، ولذلك كان النبي صلي الله عليه وسلم يقول: "وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا".


وقد أفرد المؤرخ ابن قتيبة في كتابه الموسوم بـ" المعارف" فصلاً طريفًا عن المتخاصمين، الذين وقع بينهم تهاجر، ليكشف لنا أننا بشر، وعلينا أن تعلم من الأخطاء، ولا تستغرق حياتنا.

يقول: المتهاجرون "سعد بن أبى وقّاص"، كان مهاجرًا لـ "عمّار بن ياسر" حتى ماتا. وقال له "سعد": إن كنا لنعدّك من أفاضل أصحاب محمد- صلّى الله عليه وسلم- حتى لم يبق من عمرك إلا ظمء الحمار، أخرجت ربقة الإسلام من عنقك. ثم قال له: أيما أحب إليك، مودّة على دخل، أو مصارمة جميلة؟ قال: بل مصارمة جميلة. فقال: للَّه عليّ ألّا أكلمك أبدًا.

وعائشة - رضي الله عنها - كانت مهاجرة لـ "حفصة" حتى ماتتا. وكان "عثمان بن عفان" مهاجرًا لـ "عبد الرحمن بن عوف" حتى ماتا.

كما كان "طاووس اليماني" من سادات التابعين مهاجرا لـ "وهب بن منبّه" إلى أن ماتا. وجرى بين "الحسن" و"ابن سيرين" شيء فمات "الحسن" ولم يشهد "ابن سيرين" جنازته.

و "سعيد بن المسيّب" هجر أباه فلم يكلمه حتى مات، وكان أبوه زيّاتا.
وكان الإمام "سفيان الثوري" يتكلّم في "ابن أبى ليلى" فمات "ابن أبى ليلى" فلم يشهد "الثوري" جنازته.

وذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء": قد وقعت بين الإمام مالك مع جلالته ومحمد ابن اسحاق مهاجرة يقول: " يحيى بن آدم: حدثنا ابن إدريس، قال:كنت عند مالك، فقال له رجل: إن محمد بن إسحاق يقول:اعرضوا علي علم مالك، فإني بيطاره".

فقال مالك: انظروا إلى دجال من الدجاجلة يقول: اعرضوا علي علم مالك. قال ابن إدريس: فما رأيت أحدا جمع الدجالين قبله.

وفي رواية أخرى: سمعت ابن إدريس يقول: كنت عند مالك، فقال رجل: كنت بالري عند أبي عبيد الله وزير المهدي، فقال ابن إسحاق: هاتوا اعرضوا علي علوم مالك، فإني أنا بيطارها، فقال مالك: دجال من الدجاجلة يقول هكذا؟! نحن نفيناه من المدينة.

يقول ابن سعد صاحب الطبقات عن ابن اسحاق: كان أول من جمع مغازي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخرج من المدينة قديمًا، فلم يرو عنه أحد منهم، غير إبراهيم بن سعد، وكان مع العباس بن محمد بالجزيرة، وأتى أبا جعفر بالحيرة، فكتب له المغازي، فسمع منه أهل الكوفة بذلك السبب، وسمع منه أهل الري، فرواته من هؤلاء البلدان أكثر ممن روى عنه من أهل المدينة.

وقال ابن عدي: ولو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شيء، إلى الاشتغال بمغازي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومبعثه، ومبتدأ الخلق، لكانت هذه فضيلة سبق بها، ثم من بعده صنفها قوم آخرون، فلم يبلغوا مبلغ ابن إسحاق منها.

ومن أغرب التهاجر بين العلماء: ما كان الإمام البخاري والذهلي، حيث كان الأخير شديد التمسك بالسنة، قام على الإمام البخاري- محمد بن إسماعيل- لكونه أشار في (مسألة خلق العباد) إلى أن تلفظ القارئ بالقرآن مخلوق، فلوّح وما صرح، والحق أوضح.

ولكن أبى البحث في ذلك أحمد بن حنبل وأبو زرعة والذهلي، والتوسع في عبارات المتكلمين سدًا للذريعة، فأحسنوا، أحسن الله جزاءهم.

وسافر ابن إسماعيل – البخاري- مختفيًا من نيسابور، وتألم من فعل محمد بن يحيى.

يقول الذهبي: وما زال كلام الكبار المتعاصرين بعضهم في بعض لا يلوى عليه بمفرده، ويقول أيضًا: "وهذا مذموم في الأقران، موفور الوجود".

اضافة تعليق