الشعراوي: هذه أرجى آية في كتاب الله

الجمعة، 12 أكتوبر 2018 10:01 ص




"إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَاءُ" الآية 48 من سورة "النساء".

يقول العلامة الراحل، الشيخ الشعراوي، إن هذه أرجي آية في كتاب الله، ولذلك حينما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما موجبات الإيمان؟ أي ما الذي يعطينا الإيمان؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة".

ووصف الشعراوي، الشرك بالله بـ "الخيانة العقدية العظمى"، مشيرًا إلى أن الحق سبحانه وتعالى يوضح: أصل القضية الإيمانية أن الله سبحانه وتعالى يريد منكم أن تعترفوا بأنه الإله الواحد الذي لا شريك له، وحين تعترف بذلك، فذلك حصن الأيمان، ولذلك يقول الحديث القدسي: "أن لا إله إلا الله حصني، ومن دخل حصني امن عذابي".

ووأوضح أن أبا ذر الغفاري عندما قال للنبي صلى الله عليه وسلم في محاورة بينهما حول هذه الآية، قال له: "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق (ثلاثًا) ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر".

وذكر الشعراوي أن أبا ذر كان غيورًا على حدود الله، فهل ساعة قال رسول الله: على رغم أنف أبي ذر؛ هل هذه أحزنت أبا ذر؟ لا لم تحزنه، ولذلك عندما كان يحكيها ويقولها: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن رغم أنف أبي ذر وهو مسرور، لماذا؟ لأنها فتحت باب رحمة الحق، لأنه إذا لم يكن هذا فما الفارق بين من اعتقدها وقالها وبين من لم يقلها؟ فلابد أن يكون لها تميز.

وكل جريمة موجودة في الإسلام- الله جرمها- إذن أنها قد تحدث، ساعة أن يقول: "والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا"، وهذا يعني أنه من الجائز أن يسرق المؤمن، وكذلك قد يزني في غفلة من الغفلات، وفي أسس الاستغفار يأتي البيان الواضح: من الصلاة للصلاة كفارة ما بينهما، الجمعة للجمعة كفارة، الحج كفارة، الصوم كفارة، فيما وصفها بأنها "أوكازيونات متعددة من أجل المغفرة والرحمة".

أي أن ربنا قد جعل أبوابًا متعددة للمغفرة وللرحمة، وهو سبحانه يقول: "إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ" وهذه المسألة ليست لصالحه إنما لصالحكم أنتم حتى لا تتعدد آلهة البشر في البشر ويرهق الإنسان ويشقى من كثرة الخضوع لكل من كان قويًا عنه، فأعفاك الله من هذا وأوضح لك: لا، اخضع لواحد فقط يكفيك كل الخضوع لغيره، واعمل لوجه واحد يكفيك كل الأوجه، وفي ذلك راحة للمؤمن.

إن الإيمان يعلمنا العزة والكرامة، وبدلاً من أن تنحني لكل ذي قوة في كل معنى من المعاني، إياك أن تنحني إلا له، ماذا يريد؟ خلق الكون كله بصفات قدرته وكماله، فلم تنشأ له صفة لم تكن موجودة هل أنتم زدتم له صفة؟ لا، فهو بصفات الكمال أوجدكم وبصفات الكمال كان قيوماً عليكم، فأنتم لم تضيفوا له شيئًا، فكونك تشهد أن لا إله إلا الله. ما مصلحتها بالنسبة لله؟ إن مصلحتها تكون للعبد فحسب.

وتابع: "ولذلك قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى يريد من عباده أن يجتمعوا كل أسبوع مرة؛ لأنك قد تصلي فرضًا فرضًا في مصنعك أو في مزرعتك أو في أي مكان، إنما يوم الجمعة لابد أن تجتمع مع غيرك، لماذا؟ لأنه من الجائز أنك تذل لله بينك وبينه، تخضع وتسجد وتبكي بينك وبين الله، لكنه يريد هذا أمام الناس، لترى كل من له سيادة وجاه يسجد ويخشع معك لله، وفي الحج ترى كل من له جاه ورئاسة يؤدي المناسك مثلك، فتقول بينك وبين نفسك أو تقول له: لقد استوينا في العبودية، فلا يرتفع أحد على أحد ولا يذل له بل كلنا عبيد الله ونخضع له وحده.

وخلص إلى أن "المسألة في مصلحة العبد، "إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ"، لأنه لو غفر أن يشرك به لتعدد الشركاء في الأرض، وحين تعدد الشركاء في الأرض يكون لكل واحد إله، وما دام لكل واحد إله تفسد المسألة، لكن الخضوع لإله واحد نأتمر جميعًا بأوامره يعزنا جميعًا.. فلا سيادة لأحد ولا عبودية لأحد عند أحد، فقوله: {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}.. هذا لمصلحتنا؟.. لمصلحتنا.

"وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ". مناسبة هذه الآية أنه عندما أتى وحشي قاتل سيدنا حمزة في غزوة أحد، على النبي صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد أتيتك مستجيرًا فأجرني حتى أسمع كلام الله فقال رسول الله: "أتيتني مستجيرًا فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله قال: فإني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله وزنيت هل يقبل الله مني توبة؟ فصمت رسول الله حتى نزلت: "والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً"، فتلاها عليه فقال: أرى شرطًا فلعلى لا أعمل صالحًا، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله فنزلت: "إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً"، فدعا به فتلا عليه قال: فلعلِّي ممن لا يشاء، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله فنزلت: "قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم"، فقال نعم: الآن لا أرى شرطاً فأسلم".

إذن فالمسألة كلها تلطف من الخالق بخلقه، واعتبار عمليات الغفلة عمليات طارئة على البشر، وما دام الحق يقنن تقنينات فمن الجائز أنها تحدث، لكن إذا حدثت معصية من واحد ثم استغفر عنها، إياك أن تأتي بسيرتها عنده مرة أخرى وتذكره بها وافرض أن واحدًا شهد زورًا، افرض أن واحدًا ارتكب ذنبًا، ثم استغفر الله منه وتاب. إياك أن تقول له: يا شاهد الزور؛ لأنه استغفر من يملك المغفرة، فلا تجعله مذنبًا عندك؛ لأن الذي يملكها انتهت عنده المسألة.

لماذا؟ لكيلا يذلّ الناس بمعصية فعلت، بل العكس؛ إنّ أصحاب المعاصي الذين أسرفوا على أنفسهم يكونون في نظر بعض الناس هينين، ولذلك نقول: إن الواحد منهم كلما لذعته التوبة وندم على ما فعل كُتبت له حسنة، فعلى رغم أنه ذاق المعصية لكنه مع ذلك تاب عنها، وهذا هو السبب في أن الله يبدل سيئاتهم حسنات، وعندما نعلم أن ربنا يبدل سيئاتهم حسنات فليس لنا أن نحتقر المسرفين على أنفسهم. بل علينا أن نفرح بأنهم تابوا، ولا نجعل لهم أثرًا رجعيًا في الزلة والمعصية.


اضافة تعليق