مواقف تاريخية تجلى فيها تسامح الإسلام مع أهل الذمة

الثلاثاء، 09 أكتوبر 2018 04:25 م
مواقف تاريخية تجلى فيها تسامح الإسلام مع أهل الذمة

لم يأت كتاب أو تشريع ديني بمثل ما جاء به القرآن الكريم بشـأن التسامح في معاملة غير المسلمين، حيث تجلت عظمة الإسلام في واقعيته وعالميته، من خلال آيات القرآن الكريم التي وضعت أطر العلاقة بين المسلمين وغيرهم، من خلال الحوار مع الآخر، وقبول التعددية الفكرية في الدين والاعتقاد.

فقد قضى الله سبحانه وتعالى وقدر أن لا يؤمن أهل الأرض كلهم وله الحكمة التامة في ذلك والحجة البالغة، قال تعالى: " وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ" (سورة القصص الآية 68).

وقال الله تعالى: ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ )(سورة يوسف الآية 103) وقال تعالى : ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(سورة يونس الآية 99) .

 
وقد أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه مع بقاء الكفر على الأرض، وجوب تبليغ الدعوة إلى الناس كلهم، وألا ينعزل المسلمون عن غيرهم من المجتمعات، ونظم القرآن علاقة المسلم مع غيره، ووضع الضوابط الكاملة في ذلك داخل المجتمع الإسلامي وخارجه.
 

ومن سماحة الإسلام في تعامل المسلمين مع غيرهم من الذميين، سلط الشيخ حامد العطار، أحد علماء وزارة الأزهر، الضوء على جانب مشرق من تاريخ المسلمين في التعامل مع أهل الذمة.

 ومن هذه الجوانب ما شهد به البطريق النسطوري ياف الثالث بأن التسامح الإسلامي الخلقي والسياسي مع المخالفين، ليس له نظير في أي دين آخر، أو حكم أو نظام.

 
فيؤكد البطريق النسطوري ياف الثالث في رسالة بعث بها إلى سمعان مطران ريفار دشير ورئيس أساقفة فارس "أن العرب الذين منحهم الله سلطان الدنيا يشاهدون ما أنتم عليه وهم بينكم ، كما تعلمون ذلك حق العلم، ومع ذلك فهم لا يحاربون العقيدة المسيحية ، بل على العكس يعطفون على ديننا ويكرمون قُسسنا ، ويجودون بالفضل على الكنائس والأديرة".

 
كما أشار لقول المفكر العالمي جوستاف لوبون، حينما أعجب ببراعة، وحسن سياسة خلفاء وسلاطين الدولة الإسلامية في معاملة المخالفين لدينهم قائلاً : "كانوا يحترمون عقائد الشعوب وعرفها وعاداتهم مكتفين بأخذهم في مقابل حمايتها جزية زهيدة تقل عما كانت تدفعه إلى ساداتهم السابقين من الضرائب، كما حافظوا على كنائس النصارى ولم يمسوها بسوء".

 
وقال إن المنصفين اعترفوا بهذا العفو والتسامح، وإن مسامحة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص، وسار خلفاؤه على سننه، كما أشاروا على لسان المؤلف الأمريكي لوثروب ستودارد لمراعاة خلفاء الدولة الإسلامية وحكامها لمشاعر غير المسلمين فقال: "كان الخليفة عمر يرعى حرمة الأماكن المقدسة النصرانية أيما رعاية، وقد صار الخلفاء من بعده على أثاره ، فما ضيقوا على النصارى، وما نالوا بمساءة طوائف الحجاج النصارى الوافدين كل عام إلى بيت المقدس من كل فج من فجاج العالم النصراني".

 
وأشار إلى ما كتبه النصارى في الشام إلى أبي عبيدة وهو في معسكر فحل يقولون: "يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا؛ أنتم أوفى لنا، وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا، ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا".

 
كما أشار إلى اعتراف أهل بيزنطية عن حسن معاملة المسلمين لغير المسلمين، وكيف يقول المستشرق توماس أرنولد: "لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام الطوائف من غير المسلمين على قبول الإسلام، أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي، ولو اختار الخلفاء تنفيذ إحدى الخطتين لاكتسحوا المسيحية بتلك السهولة التي أقصى بها  فردينالد Ferdinald  وإيزابلا Isabella دين الإسلام من إسبانيا".

 
أو بتلك السهولة التي جعل لويس الرابع عشر Louis المذهب الببروتستانتي مذهبًا يعاقب عليه متبعوه في فرنسا.

أو بتلك السهولة التي ظل بها اليهود مبعدين عن إنجلترا مدة خمسين وثلاثمائة سنة.

 كما أشار إلى اعتراف المستشرقة الإيطالية لورافيشيا فاجليري بأن المسلمين كانوا لا يكادون يعقدون الاتفاقيات مع الشعوب حتى يتركوا لها حرية المعتقد، وحتى يحجموا عن إكراه أحد من أبنائها على الدخول في الدين الجديد.

 وفرض المسلمون في إحدى الفترات على كل راغب في اعتناق الإسلام أن يسلك مسلكًا لا يساعد من غير ريب على تيسير انتشار الإسلام، بأن يمثلوا أمام القاضي ويعلنوا أن إسلامهم لم يكن نتيجة لأي ضغوط، وأنهم لا يهدفون من رواء ذلك إلى كسب دنيوي.

وحينما تغلب التتار على الشام في القرن السادس أسر التتار مجموعة من المسلمين، وغير المسلمين من أهل الذمة، فذهب الشيخ ابن تيمية ليستأذن قطلوثا في إطلاق الأسرى، فسمح القائد التتري للشيخ بإطلاق أسرى المسلمين، وأبى أن يسمح له بإطلاق أهل الذمة، فما كان من شيخ الإسلام إلا أن قال لهذا الحاكم: لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسرى من اليهود والنصارى ، فهم أهل ذمتنا ولا ندع أسيرًا لا من أهل الذمة ولا من أهل الملة.

اضافة تعليق