حركات بهلوانية واحتفالات.. انتهاك لحق الطريق حذر منه النبي

الثلاثاء، 09 أكتوبر 2018 04:13 م
حركات بهلوانية واحتفالات في عرض الطريق

مشاهد كثيرة تتعرض لها وأنت تسير في الطريق، ما بين شاب متهور يتلاعب خلال قيادة السيارة بالطريق وبالمارين، وما بين أخرين يقومون بحركات بهلوانية بالدراجة البخارية، وما بين محتفلين بعُرس فيقومون بالاصطفاف بسياراتهم في عرض الطريق، ويقومون بالرقص على أنغام الأغاني المرتفعة، ولا عزاء لمن يواجه خطر الموت في محاولة لإنقاذه، فالثانية قد تلعب دورًا في إنقاذ إنسان من الموت.
ويغفل هؤلاء عن تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الجور على حق الطريق، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ: «إِذْ أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ».
فما بالنا بمن يعرض حياة الناس في الطريق للخطر، أو يتاجر بأوجاعهم من أجل احتفاله.
المتخصصون أحالوا هذه الظاهرة في تهور بعض الشباب أثناء القيادة إلى غياب الوعي  والرغبة في الاكتشاف والمغامرة والاستعراض، مبينين أن المشاعر الانفعالية التي تولد السلوكات الخطيرة والسلبية تسيطر عليهم بدلاً من التعامل مع الأمور بعقلانية وتوازن.
وفسروا زيادة السرعة أثناء قيادة السيارة من قبل الشباب، نتيجة افتقاد الشباب للأفكار الإيجابية والثقافة المعرفية والسلوكية والمفاهيم الإسلامية.
وعزوا هذا التهور إلى البعد الثقافي والتنشئة الاجتماعية في المجتمع؛ والبعد عن الأخلاق والدين الذي يبين خطورة مثل هذه الأفعال.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حق الطريق بعد ما سأله الصحابة وما حقه، قوله: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
وفي حديث عمر رضي الله عنه عند أبي داود، وكذا في مرسل يحيى بن يعمر رضي الله عنه من الزيادة: «وَتُغِيْثُوُا الملْهُوفَ، وَتَهْدُوا الضَّالَ»، وهو عند البزار بلفظ: «وإِرْشَادِ الْضَّالَ»، وفي حديث البراء رضي الله عنه عند أحمد والترمذي: «اهْدُوُا السَّبِيلَ، وَأَعِينُوا المظْلُومُ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ»، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند البزار من الزيادة: «وَأَعِينُوا عَلَى الحَمُولَةِ»، وفي حديث سهل بن حنيف رضي الله عنه عند الطبراني من الزيادة: «ذِكْرُ اللهِ كَثِيرًا»، وفي حديث وحشي بن حرب رضي الله عنه عند الطبراني من الزيادة: «واهْدُوُا الأَغْبِيَاءَ، وَأَعِيْنُوا المظْلُومَ».
ولم يقف الإسلام بالنسبة لحق الطريق عند الحق المدني، بحسب دار الإفتاء المصرية، بل جعله بالإضافة إلى الحق المدني حقًّا دينيَّا يلزم من الالتزام به الثَّواب، ويلزم من الإخلال به العقوبة الأخرويَّة.
وهذه الحقيقة أمر النبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم بتطبيقها في المجتمع، فحثَّ على الحفاظ على سير الطرق واحترامِها، وبين الثَّوابَ المترتبَ على ذلك، وحذَّرَ من الإفسادِ والعبثِ فيها، بل بيَّن أنّ الحفاظَ على الطرق جزء من إيمان الإنسان بالله تعالى.

فقال عليه الصلاة والسلام: « الإِيمانُ بِضعٌ وسبعونَ شُعبةً، فأفضلُها قولُ: لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأَذى عن الطَّريق، والحياءُ شُعبةٌ مِنَ الإِيمانِ»، وهو تطبيق لكلِّيَّات القرآن التي لم تفرق بين الإيمان والعمل، بل هما في الجملة شيء واحد؛ فحفاظ المسلم على قوانين المرور، ورفعه الأذى عنه جزء من إيمانه، وثمرة من ثمرات توحيده لله تعالى.
وبالتأمل في آداب الطريق وحقوقه، سنجد أن المغزى هو حصول الأمن والأمان، وحالة الاحتياج إلى استعمال الطرق والمرور فيها واجتيازها والسير فيها من أجل قضاء الحوائج، فالأربعة عشر حقًّا أو أدبًا كلها عوامل طمأنة وتهدئة للنفوس وإرسال رسائل السلام، بل والإعانة لكل من يحتاج إلى الإعانة أثناء السير والمرور، ولا يخلو الطريق من وجود الملمَّات والمفاجآت غير السارة، فقابل الإسلام ذلك بالضد، والتخفيف من كل ملمَّة يمكن أن تحدث في الطريق ببث روح الإقبال على الناس والبشاشة في وجوههم، والملاقاة بالسلام والأمان فتستقر نفوسهم، بل حتى في أبسط الأمور فإذا عطسوا شمّتوا، وإن أساءوا نبهوا، فيحسن من يلاقونهم معهم قولًا، ويعينونهم فعلًا، وينصرونهم إذا ظُلموا، ويأمنونهم في أعراضهم وأرواحهم، ويحفظونهم في أموالهم، ويعينون المحتاج، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، بل والاسترسال في ذكر الله سبحانه وتعالى، وكلها عوامل ستؤدي بالقطع إلى حصول الأمان والسلامة والتقليل بأكبر قدر ممكن من مخاطر الطرق.
وقالت الإفتاء إنه بهذه الأدبيات التي أشاعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين قومه عمَّ الأمن والاطمئنان في طرق المسلمين، لذا لم نجد غرابة أن تتقدم المدينة وحواضر المسلمين، وأن يشعر الناس في عهده بالأمن في ديارهم وطرقهم، وهو القائل عليه أفضل الصلاة والتسليم: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ».
وأكدت في عصرنا الحاضر نحن بأشد الحاجة بالاعتناء بحقِّ الطريق فيما يتعلق بما يمكن أن نسميه "السلامة المرورية"، فأدبيات المرور أو قواعد السلامة المرورية تحفظ الإنسان من الهلاك في الطرق، والإخلالُ بها إيقاعٌ للنفس في التهلكة، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بأيدِيكُم إلَى التَهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]. وهذا قد يدخل -كما قرره العديد من الفقهاء المعاصرين- في الانتحار أو القتل العمد.
أمّا المسلم المؤمن الحق فهو الذي يمشي على الأرض هونًا، مراعيًا آداب الطرق، وقواعد السلامة فيها؛ لأنّه يعلم أنّ هذا داخل في عبادته لله تعالى، ومسؤول عنه يوم القيامة؛ قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63].
فهم يمشون على الأرض هونًا، خاليًا من الكبر والغرور، ولو حاول المفسدون السخرية منهم قالوا سلامًا؛ لأنهم يعملون بذلك رضا لرب العالمين، وحفظًا لأرواح الآمنين، وسعيًا في إظهار النظام والخير للناس أجمعين.

اضافة تعليق