"ذكاء الكبار".. كيف أخرجهم حسن التصرف من الأزمات؟

الإثنين، 08 أكتوبر 2018 12:27 م
ذكاء الكبار

تكشف كتب السير والمجالس جوانب مضيئة من حياة الكبار "العلماء والحكام وحتى الأطفال النابهين"، الذين تميزت عقولهم بالرجاحة وحسن التصريف في المواقف المحرجة، ليتركوا لنا بصمة واعية، ونتعلم منهم كيفية استنفار العقل في الصعاب.

يذكر العلامة ابن خلكان في تاريخه المعروف بـ "وفيات الأعيان" أن القاضي أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج، وأبو بكر محمد بن داود الظاهري، وأبو عبد الله نفطويه دعوا إلى وليمة، فأفضى بهم الطريق إلى مكان ضيق، فأراد كل واحد منهم صاحبه أن يتقدم عليه، فقال ابن سريج: ضيق الطريق يورث سوء الأدب، وقال ابن داود: لكنه يعرف مقادير الرجال، فقال نفطويه: "إذا استحكمت المودة بطلت التكاليف".

ومن ذلك أيضًا ما روته كتب التراجم، أن ابتداء اتصال ابن أبي دؤاد بالمأمون أنه قال: كنت أحضر مجلس القاضي يحيى بن أكثم مع الفقهاء، فإني عنده يومًا إذ جاءه رسول المأمون فقال له: يقول لك أمير المؤمنين: انتقل إلينا وجميع من معك من أصحابك، فلم يحب أن أحضر معه، ولم يستطع أن يؤخرني، فحضرت مع القوم، وتكلمنا بحضرة المأمون فأقبل المأمون ينظر إلي إذا شرعت في الكلام ويتفهم ما أقول ويستحسنه.

يقول ابن أبي دؤاد: ثم قال لي المأمون: من تكون فانتسبت له، فقال: ما أخرّك عنا فكرهت أن أحيل على يحيى، فقلت: "حبسة القدر وبلوغ الكتاب أجله"، فقال: لا أعلمنّ ما كان لنا من مجلس إلا حضرته، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم اتصل الأمر.. وارتفع شأنه في الدولة حتي كان ما كان من محنة القول بخلق القرآن.
تكشف كتب المجالس أيضًا حسن رد الأطفال وسرعة بديهتهم، حيث خرج الإمام سفيان بن عيينة يومًا إلى من جاءه يسمع منه وهو ضجر، فقال: أليس من الشقاء أن أكون جالست ضمرة بن سعيد وجالس هو أبا سعيد الخدري، وجالست عمرو بن دينار وجالس هو ابن عمر رضي الله عنهما، وجالست الزهري وجالس هو أنس بن مالك، حتى عد جماعة، ثم أنا أجالسكم.

فقال له حدث في المجلس: أتنصف يا أبا محمد قال: إن شاء الله تعالى، فقال: والله لشقاء أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بك أشد من شقائك بنا؛ فأطرق.. فتفرق الناس وهم يتحدثون برجاحة الحدث، وكان ذلك الحدث يحيى بن أكثم التميمي، الذي تولي القضاء للخليفة المأمون.

فقال سفيان: هذا الغلام يصلح لصحبة هؤلاء، فكان كما قال، حيث صار يحيي بن أكثم الطفل الصغير هو القاضي المشهور في دولة المأمون.

ومن أجمل ما جاء في ذلك ما رواه ابن كثير عن لقاء بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وواليه على الشام معاوية بن أبي سفيان: قال: لما قدم عمر بن الخطاب الشام تلقاه معاوية في موكب عظيم، فلما دنا من عمر قال له: أنت صاحب الموكب؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين.

قال: هذا حالك مع ما بلغني من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك؟ قال: هو ما بلغك من ذلك.

قال: ولم تفعل هذا؟ لقد هممت أن آمرك بالمشي حافيًا إلى بلاد الحجاز، قال: يا أمير المؤمنين إنا بأرض جواسيس العدو فيها كثيرة، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يكون فيه عز للإسلام وأهله ويرهبهم به، فإن أمرتني فعلت، وإن نهيتني انتهيت.

فقال له عمر: يا معاوية ما سألتك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس، لئن كان ما قلت حقا إنهلرأي أريب، ولئن كان باطلاً إنه لخديعة أديت، قال: فمرني يا أمير المؤمنين بما شئت.
قال:لا آمرك ولا أنهاك، فقال رجل: يا أمير المؤمنين ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته فيه، فقال عمر: لحسن موارده ومصادره جشمناه ما جشمناه.

اضافة تعليق