متى يكون النسيان نعمة ؟

السبت، 06 أكتوبر 2018 08:13 م
cacd0f3dfc65f0a59b30f3fba685a54b_XL


" غدًا يأتي بأوجاعه وذاكرته المهملة، كفصل خريف منزوع من قلب أم، كدمعة منسية في محجر عين طفل، كقبضة محارب على سلاحه صلبة موجعة، وأنا المفخخ بك  "، إنها كلمات ينطق بها قلب كل من فقد عزيز ولا زال يسكن عقله وقلبه وذاكرته، على الرغم من مرور سنوات تفتل الذاكرة كحبل يلغمها هو بأشياء العزيز المفقود التى لازال محتفظًا بها، بسيطة هي لكنها كبيرة عنده، يري في كل نبتة شيئًا يشبهه، كتجذر حضوره معه، موجعة كوداعه، طويلة كغيابه.
يقول أحدهم مخاطبًا عزيزه الذي فقد:" سنوات وأنت طفل سارق تختبيء في مخارج حروفي، حتى إذا داهمني النطق جئت كنغمة عذبة في أسماعي، وأنا أردد بيني وبيني أغدًا ألقاك؟"، ويأتي الغد ثقيلًا كهزيمة أب، أسودًا كفوهة مدفع، بائسًا كجيب مشرد، غريبًا لا يحملك.
يقول أحد آخر في رثاء أبيه الذي لا ينساه:" يحضر الأمس بطيف أبي  وصوته المتعب :" لا  تنس صلاتك ، لا تنس فطورك، لا تنس يا ولدي لحافك" كان أبي يخاف علي أن أهزم أمام الشوك، والشك، والجوع، والبرد، ونسي أن يحميني من الذاكرة وهزمت في معركتها ولا زلت أذكرك يا أبي فأحزن ".انس الرحيل، الوداع، الدمعة التى بقيت وحيدة، وجرت وحيدة، وستظل وحيدة، انس العالم الذي جئت إليه وحيدًا وستتركه وحيدًا، انس الكلمة التي شطرت قلبك، انس الموت الذي حضر فجأة وأخذ حشاشة قلبك، انس العين التي عميت عن بياض قلبك، والأذن التي صمت عن شكواك، والكتف التي خذلت ضعفك، واللسان الذي يبس يوم أن شوهك، انس الذي وهبته عمرًا ووهبك حزنًا أبديًا
ويتابع: كان والدي يرمم أذني بـ " لا تنس يا ولدى "، وأنا اليوم أرمم أذن ابني بـ " انس يا ولدي "، انسي اليوم هزائمك الصغيرة لتنس غدًا هزائمك الكبيرة، انس اليوم قسوة عدوك لتنس غدًا وجع صديقك، انس اليوم  كلمة عاتبة لتنس غدًا كلمة جارحة، انس اليوم وجبتك لتنس غدًا جوعك، انس اليوم نصف جملة لتنس غدًا الجملة كاملة، انس الرحيل، الوداع، الدمعة التى بقيت وحيدة، وجرت وحيدة،  وستظل وحيدة، انس العالم الذي جئت إليه وحيدًا وستتركه وحيدًا، انس الكلمة التي شطرت قلبك، انس الموت الذي حضر فجأة وأخذ حشاشة قلبك، انس العين التي عميت عن بياض قلبك، والأذن التي صمت عن شكواك، والكتف التي خذلت ضعفك، واللسان الذي يبس يوم أن شوهك، انس الذي وهبته عمرًا ووهبك حزنًا أبديًا، فالذاكرة يا ولدي وعاء مثقوب على القلب، كلما نزفت غرق القلب، فتعلم كيف تنسى وتعلم كيف تنجو".

اضافة تعليق