"ومنهم من يلمزك في الصدقات"..

كيف تعامل النبي مع المنافقين حين ذموا في عدالته؟

السبت، 06 أكتوبر 2018 03:36 م
ومنهم-من-يلمزك


جاء القرآن الكريم بآيات كثيرة عدد فيها صفات المنافقين ومواقفهم مع النبي صلى الله عليه  وسلم، ليحذر المؤمنين من أفعالهم، وألا يقعوا في أمراض قلوبهم، خاصة إذا وقع المرء أسيرًا لهواه ومصالحه الشخصية، وغلب الحياة الدنيا عن الآخرة.

فتجد بعض الناس يعاملون الناس وفق مصالحهم الشخصية، فإن اتفقت العلاقة مع مصالحهم ساروا في درب النفاق، وإن خالفت مصالحهم أعلنوا الحرب والأذى.

وشرح الله سبحانه وتعالى في سورة "التوبة" كيف كانت مواقف هؤلاء المنافقين مع النبي، في الحصول على الصدقات، التي كان يطلبون أن يفرض لهم نصيبًا فيها بشكل دائم ومستمر، على الرغم من أنهم لم يستحقوا أي جزء منها، حتى أن الله سبحانه وتعالى حدد في محكم آياته الأشخاص الذين يستحقون الزكاة والصدقات، لحسم جدال ألسنتهم، ومع ذلك لم يسلم من أذاهم صلى الله عليه وسلم.


يقول الله تعالى في سورة التوبة: "وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59) ۞ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ۚ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61).

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "لما كان يوم حُنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناساً من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة.

وإنما كان عطاء النبي صلى الله عليه وسلم، غنائم حنين الكثيرة الضخمة من سادات القبائل، وأشراف القبائل؛ تأليفًا لهم، لأنهم كانوا حدثاء عهد بالإسلام، وكان يخشى عليهم، فأراد أن يثبتهم وأعطاهم كثيرًا، وأعطى أناس من المتهمين بعدواته، والتأليب عليه أيضاً، وأعطى أناساً من أشراف العرب؛ ترغيبًا لهم في الدخول في الإسلام.

وعطاء النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء ضمن قوله تعالى "المؤلفة قلوبهم" لتثبيتهم، وأعطى أناساً لكف شرّهم.

فقام رجل من المنافقين وقال: "والله إن هذه لقسمة ما عُدل فيها، وما أُريد فيها وجه الله".

فبعد أن رأى أحد المنافقين القسمة بعد المعركة قال عبارة في غاية الكفر والإيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم، واتهمه  أنه ليس عنده إخلاص، قسم قسمة ما أُريد بها وجه الله.. فماذا فعل النبي في الرد على هذا المنافق؟، لأن هذا المنكر لا بدّ من إيقاف صاحبه عند حده، لا يمكن السكوت على أصحاب هذه المقالات.

غضب النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع هذا غضباً شديدًا، واحمرّ وجهه، وقال أحد الصحابة: "حتى تمنيتُ أني لم أذكره له"، مما رأى من المشقة التي بدت على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال عليه الصلاة والسلام:  فمن يعدل إن لم  يعدل الله ورسوله؟ ثم قال صلى الله عليه وسلم:  يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر .

وكان هدي النبي صلى الله عليه وسلم يقوم على كشف صفات المنافقين، وأعمال المنافقين، وتعريف بعض أصحابه بهؤلاء، وعرفنا أن أسماء بعض المنافقين كانت تخفى على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن خفاء أسمائهم لا يعني خفاء صفاتهم وعلاماتهم، بل هم معروفون؛ إما بعلاماتهم، وإما بأعيانهم، قال تعالى:  وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ [محمد : 30].


والصحابة رضوان الله عليهم، وإن لم يعلموا بعض المنافقين إلا أنهم كانوا يعرفونهم أيضاً بصفاتهم، ومن ذلك قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهو يتحدث عن صلاة الجماعة "ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق".
وقال كعب رضي الله عنه وهو يحكي قصة تخلّفه عن غزوة تبوك: "فطفقتُ إذا خرجتُ للناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أُسوة إلا رجلاً مغموصًا عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء".

ومن ذلك أيضًا أن النبي عليه الصلاة والسلام أحيانًا كان يفضح بعض المنافقين بأشخاصهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال شهدنا خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن معه يدعي الإسلام:  هذا من أهل النار ، واحد يدعي الإسلام، يُقال عنه: هذا من أهل النار، وهذا الرجل مشهور أن اسمه قزمان، كان منافقًا.


فلما حضر القتال قاتل الرجل أشدّ القتال حتى كثرت به الجراح، أمر غريب، منافق شجاع فقيل: يا رسول الله، الذي قلت له: إنه من أهل النار، فإنه قد قاتل اليوم قتالاً شديدًا، وقد مات، فقال النبي -صلى الله عليه سلم-:  إلى النار فكاد بعض الناس أن يرتاب، رأوا أمامهم شجاعة متناهية، شخص قاتل، وجرِح، ومات، كيف يكون إلى النار؟ فبينما هم على ذلك إذ قيل إنه لم يمت، ولكن به جراحًا شديدًا، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فأُخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله هذا جاء بالوحي، فاتضح بعد ذلك أن الرجل انتحر، ثم أمر بلالاً فنادى بالناس:  إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.

اضافة تعليق