دبلوماسية النبي.. سفراء واتفاقات ومعاهدات.. الهدف: منع الاقتتال

الجمعة، 05 أكتوبر 2018 01:55 م
دبلوماسية النبي

أتقن النبي صلى الله عليه وسلم، فن الدبلوماسية وأصولها، وأرسى قواعدها في كثير من المواقف والتعاملات، في أوقات الأزمات والحروب، تجنب في الكثير من المواقف إراقة الدماء مستخدمًا الدبلوماسية، فعقد معاهدات الصلح والاتفاقيات، ولم ينقض أبدًا أيًا من تلك العهود، لأنه لم يبعث إلا لهدية الناس، فكان أحرص على أن يتفادى الصراع، وألا يخوض القتال إلا مكرهًا عليه.

كان النظام القبلي يسود آنذاك، ولم تكن المجتمعات تعرف نظام الدول بشكلها الحالي، لا قوانين أو دساتير مكتوبة، ولا حدود بينها، ولا تمثيل دبلوماسي بينها كما هو الان، وكانت الصراعات على أشدها بين القبائل، فاستطاع النبي صلى الله عليه وسلم جمع أوصال تلك القبائل المتفرقة والمتناحرة تحت راية الإسلام.

استخدم النبي الطرق الدبلوماسية في مخاطبة القبائل، واستغل الوقت المناسب للحديث إليها في موسم الحج، حيث كانت تتوافد على مكة، عارضًا عليها رسالة الإسلام والدخول في دين الله، فأخذ يتبع الحجاج في منى، ويسأل عن القبائل قبيلة قبيلة، ويسأل عن منازلهم ويأتي إليهم في أسواق المواسم، وهي: عكاظ، ومجنة، وذو المجاز، لم يترك قبيلة إلا وتحدث إليها.
لم ييأس أبدًا في الخروج بدعوته من مكة، بعدما لاقاه من أذى وتعنت من قريش، حتى اقتنع مجموعة من الشباب من قبيلتي الأوس والخزرج، اللذين كانا يخوضان صراعًا دمويًا لسنوات طويلة، دفع ثمنه الكثير من أبناء القبيلتين.

كانت نتيجة هذا اللقاء عقد بيعة العقبة الأولى بين النبي الكريم واثني عشر رجلًا من الأوس والخزرج، اتفقوا معه على أن يرسل إليهم واحدًا من رجاله حتى يعلمهم القرآن ويفقههم في الدين، وقد نظر في أصحابه فلم يجد أنسب من مصعب بن عمير، الذي كان يتحلى بلياقة وكياسة، فذهب عنه مع وفد الأنصار وبقي في بيت أسعد بن زرارة في يثرب يعلم الناس الإسلام، واهتدى على يده الصحابي الجليل أسيد بن حضير، وسيد أوس سعد بن معاذ الذي بإسلامه أسلم بنو عبد الأشهل جميعهم.

وبعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كان أول عمل فعله هو وضع دستور المدينة أو صحیفة المدینة، ليكون أول دستور مدني في التاريخ، وقد أطنب فيه المؤرخون والمستشرقون على مدار التاريخ، واعتبره الكثيرون مفخرة من مفاخر الحضارة الإسلامية، ومَعلَمًا من معالم مجدها السياسي والإنساني.

هذا الدستور كان يهدف بالأساس إلى تنظيم العلاقة بين جميع طوائف وجماعات المدينة، وعلى رأسها المهاجرين والأنصار والفصائل اليهودية وغيرهم، يتصدى بمقتضاه المسلمون واليهود وجميع الفصائل لأي عدوان خارجي على المدينة.
وبإبرام هذا الدستور –وإقرار جميع الفصائل بما فيه- صارت المدينة المنورة دولة وفاقية رئيسها الرسول صلى الله عليه وسلم، وصارت المرجعية العليا للشريعة الإسلامية، وصارت جميع الحقوق الإنسانية مكفولة، كحق حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، والمساواة والعدل.

يقول المستشرق الروماني جيورجيو: "حوى هذا الدستور اثنين وخمسين بندًا، كلها من رأي رسول الله. خمسة وعشرون منها خاصة بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولاسيما اليهود وعبدة الأوثان. وقد دُون هذا الدستور بشكل يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرية، ولهم أن يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم، ومن غير أن يتضايق أحد الفرقاء. وضع هذا الدستور في السنة الأولى للهجرة، أى عام 623م. ولكن في حال مهاجمة المدينة من قبل عدو عليهم أن يتحدوا لمجابهته وطرده".
وفي السنة السادسة من الهجرة، وقع النبي صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية مع قريش، حين أتى المسلمون للحج في ذٰلك العام، فأرسل النبي أرسل عثمان بن عفان إلى قريش وقال له: "أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارًا، وادعهم إلى الإسلام، وأَمره أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيبشرهم بالفتح، وأن الله عز وجل مُظهر دينه بمكة". فانطلق عثمان، فأتى قريشًا، فقالوا: إلى أين ؟ فقال: بعثني رسول الله أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، ويخبركم: أنه لم يأت لقتال، وإنما جئنا عمارًا. قالوا: قد سمعنا ما تقول، فانفذ إلى حاجتك.
لكن عثمان احتبسته قريش، فتأخر في الرجوع إلى المسلمين، فخاف النبي عليه، وخاصة بعد أن شاع أنه قد قتل، فدعا إلى البيعة، فتبادر الصحابة إليه، وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا، وهي ما تسمى بـ "بيعة الرضوان".

وقامت قريش بإرسال عروة بن مسعود الثقفي إلى المسلمين فرجع إلى أصحابه، فقال: "أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك كسرى وقيصر والنجاشي والله ما رأيت ملكًا يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً. والله ما انتخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمر ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له، ثم قال: وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها".

ثم أسرعت قريش في إرسال سهيل بن عمرو لعقد الصلح، فلما رآه النبي قال: "قد سهل لكم أمركم، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فتكلم سهيل طويلاً ثم اتفقا على قواعد الصلح".

فلما اتفق الطرفان على الصلح دعا رسول الله علي بن أبي طالب فقال له: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: أما الرحمن، فما أدري ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال: "اكتب: باسمك اللهم"، ثم قال: "اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله"، فقال سهيل: والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال: "إني رسول الله، وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله".
ثم تمت كتابة الصحيفة على الشروط التالية:

وأن من أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد محمد من غير قريش دخل فيه، وأن تتوقف الحرب لمدة 10 سنين، أن يعود المسلمون ذلك العام على أن يدخلوا مكة معتمرين في العام المقبل، عدم الاعتداء على أي قبيلة أو على بعض مهما كانت الأسباب، أن يرد المسلمون من يأتيهم من قريش مسلما بدون إذن وليه، وألا ترد قريش من يعود إليها من المسلمين.

ودخلت قبيلة خزاعة في عهد النبي، ودخل بنو بكر في عهد قريش.
فلما فرغ قال لأصحابه: "قوموا فانحروا، ثم احلقوا، وما قام منهم رجل، حتى قالها ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، قام ولم يكلم أحداً منهم حتى نحر بدنه ودعا حالقه؛ فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا".

واستغل النبي فرصة عقد المعاهدة للتوسع في الدعوة إلى الإسلام في الجزيرة العربية وخارجها، فأرسل رسائل دبلوماسية حملها مبعوثون عنه إلى بعض الأمراء والملوك وهم: المقوقس حاكم مصر، هرقل عظيم الروم، كسرى ملك فارس، المنذر بن ساوى أمير البحرين، هوذة الحنفي أمير اليمامة، الأقيال العباهلة ملوك حضرموت، عبد ابني الجلندي حكام عمان، الحارث الحميري حاكم اليمن، الحارث الغساني أمير الغساسنة، النجاشي ملك الحبشة.

وقد اختار رسله الذين تولوا حمل تلك الرسائل ممن يتصفون بصفات الدبلوماسي ويتكلم أولاً بلغة القوم الذين بعثهم إليهم ويملك القدرة على إيصال المطلوب وشرح مضمون المذكرة.

فكتب للمقوقس حاكم مصر: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعوة الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون".
وحمل الرسالة حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، وتقول الرواية التاريخية إن المقوقس لما قرأ الرسالة قال له: ما منع صاحبك إن كان نبيًا أن يدعو على من أخرجوه من بلده فيسلط الله عليهم السوء.

فقال حاطب له: "وما منع عيسى أن يدعو على أولئك الذين تآمروا عليه ليقتلوه فيسلط الله عليهم ما يستحقون؟ فقال المقوقس أنت حكيم وجئت من عند حكيم".


كما كتب الرسول الكريم إلى النجاشي في الحبشة، وهرقل عظيم الروم، وكسرى ملك فارس، والمنذر بن ساوى أمير البحرين، وهوذه الحنفي أمير اليمامة، وملك عمان والحارث الحميري حاكم اليمن والحارث الغساني أمير الغساسنة.
وشهدت الرسائل النبوية إلى الملوك والأمراء أسماء مناصبهم وألقابهم التي تمثلت بالدعوة إلى الإسلام ليختمها "إن أثم تابعيك يقع عليك".

وأشارت الروايات التاريخية إلى أن كسرى عظيم فارس قد مزق رسالة النبي بعد أن قال: "عبد عقير من رعيتي يكتب اسمه قبلي"، ولما بلغ ذلك رسول الله قال: "مزق الله ملكه"، وكان كما قال، فقد مات كسرى بعد فترة من الزمن وتمزق ملكه.
كما استقبل النبي الرسل وتفاوض معهم ومنحهم الامتيازات والحصانات الدبلوماسية، وعقد الصلح والهدنة والتحالف مع الآخرين وقام بتسوية المنازعات بالوسائل السلمية، وتبادل التهاني والتعازي وقبول الهدايا وإرسالها لمن يراه اهلاً لها.
وقد وضعت الشريعة الإسلامية أحكامًا لتنظيم المعاهدات قائمة على الإنسانية وإحقاق الحق، قال تعالى: "وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا"، وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم محاربة الذين ينقضون عهدهم. لقوله تعالى: "الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ".

كما دعا الإسلام إلى الوسائل الدبلوماسية لتسوية المنازعات الدولية كالحوار والجدل والمساعي الحميدة والوساطه، ومارس النبي التحكيم في المنازعات، وعرف الإسلام نظامي اللجوء الإقليمي واللجوء السياسي وطبقهما النبي وإن اختلفت تسميتها، وكان للجوء الإقليمي السياسي الدور الكبير في حماية المسلمين من الاضطهاد الذي تعرضوا إليه من المشركين في مكة، وكان النبي نفسه من اللاجئين، بعد أن لجأ الى يثرب ولجوء عدد من الصحابة الى الحبشة.

تلك كانت إطلالة على دبلوماسية النبي صلى الله عليه وسلم، التي ساهمت في تجنب إراقة الدماء، ونشر الإسلام، لتؤكد على حقيقة أن خوص الصراعات والاقتتال هو آخر ما كان يفكر فيه النبي والصحابة من بعده، وأن الدبلوماسية هي التي يجب أن تسود في كل الأحوال، لم يمنعه خلافه مع قريش في أن يعقد اتفاقًا معها، حرصًا على الأرواح، ومن أجل الحفاظ على النفس الإنسانية، وهي أهم مبادئ الإسلام.

اضافة تعليق