"أم حكيم".. كيف عانت الأهوال لإنقاذ زوجها من القتل

الخميس، 04 أكتوبر 2018 02:18 م
29-9


تكشف كتب السيرة حقيقة ما كانت عليه الصحابيات والنساء المؤمنات في عصر الرسالة، وما بذلنه من التضحية، وما كن عليه من أخلاق حميدة وحسن عشرة ووفاء.

تعد السيدة أم حكيم بنت الحارث بن هشام وزوج عكرمة بن أبي جهل نموذجًا مضيئًا للتضحية والوفاء للزوج والحرص علي هدايته، حيث لاقت أهوالاً في الصحراء خلف زوجها لترده مؤمنًا بالنبي الكريم صلي الله عليه وسلم، بعد أن يئس وفقد الأمل، وقرر التخلص من حياته، عقب قرار النبي الكريم بإهدار دمه يوم فتح مكة.

يقول عكرمة وفق روايات السيرة التي ذكرها الصالحي في سبل الهدي والرشاد: "بلغني أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نذر دمي يوم الفتح، وكنت في جمع من قريش بأسفل مكة ، وقد أوقع بنا  خالد بن الوليد، فهربت منه أريد والله- أن ألقي نفسي في البحر، وأموت تائها في البلاد قبل أن أدخل في الإسلام، فخرجت حتى انتهيت إلى الشعيبة، وكانت زوجتي أم حكيم بنت الحارث امرأة لها عقل، وكانت قد اتبعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فدخلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، أن ابن عمي قد هرب يلقي نفسه في البحر فأمّنِّه".

وروى ابن أبي شيبة وأبو داود، والنسائي عن سعد بن أبي وقاص- رضي الله تعالى عنه، أن عكرمة ركب البحر فأصابتهم ريح عاصف، فنادى عكرمة "اللات والعزى"، فقال أهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره، اللهم لك عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آت محمدا حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفوا غفورا كريما، فجاء وأسلم.

وعن الدور البطولي في تضحية أم حكيم فقد روى البيهقي عن الزهري: أن أم حكيم امرأة عكرمة بن أبي جهل قالت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- يا رسول الله: قد ذهب عكرمة عنك إلى اليمن، وخاف أن تقتله، فأمنه يا رسول الله، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «هو آمن»
فخرجت أم حكيم في طلبه، ومعها غلام لها رومي، فراودها عن نفسها فجعلت تمنّيه حتى قدمت به على حي من "عك" ،  فاستعانتهم عليه، فأوثقوه رباطا، وأدركت عكرمة وقد انتهى إلى البحر، فركب سفينة، فجعل صاحب السفينة  يقول له: أخلص أخلص، قال: أي شيء أقول؟ قال: قل لا إله إلا الله، قال عكرمة: ما هربت إلا من هذا، وإن هذا أمر تعرفه العرب والعجم حتى "النواتي"- الملاحين" ،  ما الدين إلا ما جاء به محمد، وغير الله قلبي، وجاءتني أم حكيم على هذا الأمر، فجعلت تشير وتقول: يا ابن عم، جئتك من عند أبر الناس، وأوصل الناس، وخير الناس، لا تهلك نفسك، فوقف لها حتى أدركته، فقالت له: إني قد استأمنت لك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأمنك، فرجع معها وقالت: ما لقيته من غلامك الرومي وأخبرته خبره فقتله وهو يومئذ لم يسلم.


فلما وافى مكة قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت» فجعل عكرمة يطلب امرأته يجامعها فتأبى عليه وتقول: أنت كافر وأنا مسلمة، فقال: "إن أمرا منعك مني لأمر كبير".

ولما رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عكرمة وثب إليه- وما علا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رداء فرحا بعكرمة، ثم جلس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فوقف عكرمة بين يديه ومعه زوجته متنقبة، فقال: يا محمد!! إن هذه أخبرتني أنك أمنتني.

 فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم «صدقت فأنت آمن» قال عكرمة: فإلام تدعو يا محمد؟ قال: «أدعو إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتفعل وتفعل» حتى عد خصال الإسلام، فقال عكرمة: والله ما دعوت إلا إلى خير وأمر حسن جميل، قد كنت فينا يا رسول الله قبل أن تدعونا- إلى ما دعوتنا إليه- وأنت أصدقنا حديثا، وأبرّنا برا، ثم قال عكرمة: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فسر بذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم قال: يا رسول الله: علمني خير شيء أقوله، قال: «تقول أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله» ، قال عكرمة: ثم ماذا؟ قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «تقول: «أشهد الله وأشهد من حضر أني مسلم مجاهد مهاجر» ، فقال عكرمة ذلك.


وحكي الإمام ابن عبد البر في كتابه "بهجة المجالس وأنس المجالس"، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أنه دخل الجنة ورأى فيها عذقاً مدلى فأعجبه وقال: لمن هذا فقيل: لأبي جهل، فشقّ ذلك عليه وقال: ما لأبي جهل والجنة والله لا يدخلها أبداً، فإنها لا تدخلها إلا نفس مؤمنة، فلما أتاه عكرمة بن أبي جهل مسلمًا فرح به وقام إليه، وتأول ذلك العذق بـ"عكرمة" ابنه.

اضافة تعليق