"عبقرية معلّم" تنقذ طفلاً فقيرًا وتجعله "قاضي القضاة"

الخميس، 04 أكتوبر 2018 10:29 ص
29-9


حينما يذكر الإمام أبو حنيفة يذكر قوة الرأي والذكاء وفطانة العالم، ولعل أكبر ما يكشف ذلك هو تفرسه واكتشافه لمخايل شخصية تلميذه القاضي "أبو يوسف"، الذي كان فقيرًا معدمًا يتيمًا فتبنّاه ورعاه حتي صار من أكبر تلامذته، وأشهر من قام بنشر مذهبه.


حكى الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" أن أبا يوسف قال:"كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مقلّ رث الحال، فجاء أبي يومًا وأنا عند أبي حنيفة، فانصرفت معه، فقال: يا بني، لا تمد رجلك مع أبي حنيفة، فإن أبا حنيفة خبزه مشوي، وأنت تحتاج إلى المعاش، فقصرت عن كثير من الطلب وآثرت طاعة أبي، فتفقدني أبو حنيفة وسأل عني، فجعلت أتعاهد مجلسه، فلما كان أول يوم أتيته بعد تأخري عنه قال لي: ما شغلك عنا، قلت: الشغل بالمعاش وطاعة والدي، فجلست، فلما انصرف الناس دفع إلي صرّة وقال: استمتع بها، فنظرت فغذا فيها مائة درهم، فقال لي: الزم الحلقة وإذا فرغت هذه فأعلمني، فلزمت الحلقة، فلما مضت مدة يسيرة دفع إلي مائة أخرى، ثم كان يتعاهدني، وما أعلمته بخلة قط ولا أخبرته بنفاد شيء، وكأنه كان يخبر بنفادها، حتى استغنيت وتموّلت".

وفي رواية أخرى، أن والد أبي يوسف مات، وأن أمه هي التي أنكرت عليه حضور حلقة أبي حنيفة، حيث روى الخطيب في رواية أخري في تاريخه أن  أبا يوسف القاضي قال: توفي أبي وخلفني صغيرًا في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصّار أخدمه، فكنت أدع القصار وأمر إلى حلقة أبي حنيفة فأجلس أستمع، فكانت أمي تجيء خلفي فتأخذ بيدي فتذهب بي إلى القصار، وكان أبو حنيفة يعنى بي، لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم.

يقول أبو يوسف: فلما كثر ذلك على أمي وطال عليها هربي قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك، هذا صبي يتيم لا شيء له وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكسب دانقًا يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: مرّي يا رعناء، ها هو ذا يتعلم أكل "الفالوذج" بدهن الفستق، فانصرفت عنه وقالت له: أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك، ثم لزمته فنفعني الله تعالى بالعلم، ورفعني حتى تقلدت القضاء.

ويضيف الخطيب في تاريخه عن حقيقة مقولة أبي حنيفة لوالدة أبي يوسف: وكنت أجالس الرشيد وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قدم إلى هارون فالوذجة، فقال لي: يا يعقوب كل منها فليس في كل يوم يعمل لنا مثلها، فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين فقال: هذه فالوذجة بدهن الفستق فضحكت، فقال لي: مم ضحكك ! فقلت: خيراً، أبقى الله أمير المؤمنين، قال: لتخبرني، وألح علي، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها.

يقول أبو سف: فعجب من ذلك وقال: لعمري إن العلم لينفع دنيا ودينًا، وترحم على أبي حنيفة وقال: "كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه".
وقد قالوا: ما كان في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف، لولا أبويوسف ما ذكر أبو حنيفة ولا محمد بن أبي ليلى، ولكنه هو نشر قولهما وبث علمهما.

وقال محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: مرض أبو يوسف في زمن أبي حنيفة مرضًا خيف عليه منه، فعاده أبو حنيفة ونحن معه، فلما خرج من عنده وضع يده على عتبة بابه وقال: إن يمت هذا الفتى فإنه أعلم من عليها، وأومأ إلى الأرض.

وقال أبو يوسف: سألني الأعمش عن مسألة، فأجبته فيها فقال لي: من أين لك هذا فقلت: من حديثك الذي حدثتنا أنت، ثم ذكرت له الحديث، فقال لي: يا يعقوب إني لأحفظ هذا الحديث قبل أن يجتمع أبواك وما عرفت تأويله حتى الآن.


وقال محمد بن سماعة: سمعت أبا يوسف في اليوم الذي مات فيه يقول: اللهم إنك تعلم أني لم أجرْ في حكم حكمت فيه بين اثنين من عبادك تعمداً، ولقد اجتهدت في الحكم بما وافق كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، وكل ما أشكل علي جعلت أبا حنيفة بيني وبينك، وكان عندي والله ممن يعرف أمرك ولا يخرج عن الحق وهو يعلمه.

وكانت ولادة القاضي أبي يوسف سنة ثلاث عشرة ومائة من الهجرة، وتوفي يوم الخميس لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين ومائة من الهجرة ببغداد، وولي القضاء سنة ست وستين ومائة، ومات وهو على القضاء، رحمه الله تعالى.

اضافة تعليق