فراسة عمر بن الخطاب.. كيف قادته إلى قاتلة.. وكيف أنقذها من الموت؟

الأربعاء، 03 أكتوبر 2018 11:23 ص
29-9

مدح الله سبحانه وتعالي الفراسة وأهلها في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، فقال تعالي "إن في ذلك لآيات للمتوسمين"، وهم المتفرسون الآخذون بـ "السيما"، وهي العلامة.

كما جاء في الأثر "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ "إن في ذلك لآيات للمتوسمين".

والمتفرسون في التاريخ كثر ولكن كان هناك أشخاص لهم قصب السبق في الفراسة، وأصحاب قدم ورؤية ثاقبة في معرفة وتفرس الأمور.

الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود يقول: "أفرس الناس" ثلاثة: امرأة فرعون في موسى، حيث قالت: "قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا"، وصاحب يوسف، حيث قال لامرأته: "أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا"، وأبو بكر الصديق في عمر - رضي الله عنهما - حيث جعله الخليفة بعده.

واشتهر الفاروق عمر بأنه من أصحاب الفراسة، ولقب بـ" إمام المتفرسين"، و"شيخ المتوسمينواشتهر الفاروق عمر بأنه من أصحاب الفراسة، ولقب بـ" إمام المتفرسين"، و"شيخ المتوسمين، حيث لم تكن تخطئ له فراسة، وكان يحكم بين الأمة بالفراسة المؤيدة بالوحي.

ومن دلائل عبقريته وشدة فراسته ما رواه الإمام الليث بن سعد، أنه  أتي عمر بن الخطاب يومًا بفتى أمرد، وقد وجد قتيلاً ملقى على وجه الطريق، فسأل عمر عن أمره واجتهد فلم يقف له على خبر، فشق ذلك عليه؛ فقال: اللهم أظفرني بقاتله، حتى إذا كان على رأس الحول وجد صبيًا مولودًا ملقى بموضع القتيل، فأتى به عمر؛ فقال: ظفرت بدم القتيل إن شاء الله تعالى.

وتجلت فراسته بأنه دفع الصبي إلى امرأة، وقال لها: قومي بشأنه، وخذي منا نفقته، وانظري من يأخذه منك؛ فإذا وجدت امرأة تقبله وتضمّه إلى صدرها فأعلميني بمكانها.

فلما شب الصبي جاءت جارية، فقالت للمرأة: إن سيدتي بعثتني إليك لتبعثي بالصبي لتراه وترده إليك، قالت: نعم، اذهبي به إليها، وأنا معك.

فذهبت بالصبي والمرأة معها، حتى دخلت على سيدتها، فلما رأته أخذته فقبلته وضمته إليها؛ فإذا هي ابنة شيخ من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتت عمر فأخبرته، فاشتمل على سيفه، ثم أقبل إلى منزل المرأة، فوجد أباها متكئًا على باب داره، فقال له: يا فلان، ما فعلت ابنتك فلانة؟، قال: جزاها الله خيرًا يا أمير المؤمنين، هي من أعرف الناس بحق الله وحق أبيها، مع حسن صلاتها وصيامها، والقيام بدينها.

فقال عمر: قد أحببت أن أدخل إليها، فأزيدها رغبة في الخير، وأحثها عليه؛ فدخل أبوها، ودخل عمر معه،  فأمر عمر من عندها فخرج، وبقي هو والمرأة في البيت، فكشف عمر عن السيف، وقال: أصدقيني، وإلا ضربت عنقك، وكان لا يكذب.

فقالت: على رسلك، فوالله لأصدقن: إن عجوزًا كانت تدخل عليّ فأتخذها أمًا، وكانت تقوم من أمري بما تقوم به الوالدة، وكنت لها بمنزلة البنت، حتى مضى لذلك حين، ثم إنها قالت: يا بنية، إنه قد عرض لي سفر، ولي ابنة في موضع أتخوف عليها فيه أن تضيع، وقد أحببت أن أضمها إليك حتى أرجع من سفري.

تقول الفتاة: فعمدت إلى ابن لها شاب أمرد، فهيأته كهيئة الجارية، وأتتني به، لا أشك أنه جارية؛ فكان يرى مني ما ترى الجارية من الجاريةتقول الفتاة: فعمدت إلى ابن لها شاب أمرد، فهيأته كهيئة الجارية، وأتتني به، لا أشك أنه جارية؛ فكان يرى مني ما ترى الجارية من الجارية، حتى اغتفلني يومًا وأنا نائمة، فما شعرت حتى علاني وخالطني، فمددت يدي إلى شفرة كانت إلى جانبي فقتلته، ثم أمرت به فألقي حيث رأيت، فاشتملت منه على هذا الصبي، فلما وضعته ألقيته في موضع أبيه، فهذا والله خبرهما على ما أعلمتك.

 فقال عمر: صدقت، ثم أوصاها، ودعا لها وخرج، وقال لأبيها: نعمت الابنة ابنتك؛ ثم انصرف.

ومن فراسته أيضًا أنه كان جالسًا فرأى رجلاً، فقال: "لست ذا رأي إن لم يكن هذا الرجل قد كان ينظر في الكهانة، ادعوه لي، فدعوه، فقال: هل كنت تنظر، وتقول في الكهانة شيئا؟ قال: نعم ".

وقال مرة لرجل: "ما اسمك؟ قال: جمرة، قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، قال: ممن؟ قال: من الحرقة،  قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار،  قال: أيها؟ قال: بذات لظى، فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا"، فكان كما قال.

وقدج وافقت فراسته الوحي في كثير من الأحيان، ومنها أنه قال: "يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى"، وقال: "يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب".

واجتمع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساؤه في الغيرة، فقال لهن عمر: "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن"، فنزلت كذلك.. فرحم الله أمير المؤمنين وإمام المتوسمين – الفاروق عمر- الذي لم تخطىء له فراسة.

اضافة تعليق