التنافس بين أبي بكر وعمر.. لمن الغلبة؟!

الثلاثاء، 02 أكتوبر 2018 11:27 ص
التسابق على فعل الخير بين أبي بكر وعمر

"سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ"، "وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ".

السباق من أجل رضا الله، ذلك الميدان الذي رغّب الله فيه عباده المؤمنين، وحثهم على التنافس فيه، ذلك التنافس المحمود الخالي من الأحقاد، الذي لا يحمل فيه أحد للآخر بغضًا أو كراهية، الذي يحصل فيه المؤمن في خط النهاية على أعلى الدرجات، لأنه لبى نداء ربه، وسارع الخطى، ولم يتباطئ عن فعل الخير ابتغاء مرضاته.

فهم صحابة رسول الله، هذا المعنى جيدًا، فلم يتركو طريقًا من طرق الخير إلا وتنافسوا فيه، تطبيقًا لتلك الآية الكريمة، فكانوا يبذلون المال، ويجهزون الجيوش، ومما يعود بالنفع على المسلمين من أوجه الخير.

وأثناء تجهيز المسلمين لغزوة تبوك، سارع الصحابة إلي بذل ما يستطيعون من مال فقد جاء عثمان بن عفان رضي الله عنه إلي النبي صلي الله عليه وسلم بألف دينار، أما أبو بكر رضي الله عنه فجاء بكل ماله، وعمر بن الخطاب بنصف ماله.

عن عمر رضي الله عنه قال: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتصدق، ووافق ذلك عندي مالاً، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، قال: فجئت بنصف مالي.. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما أبقيت لأهلك؟) قلت: مثله.. وأتى أبو بكر بكل ما عنده.. فقال: يا أبا بكر؟ ما أبقيت لأهلك؟، فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسبقه إلى شيء أبدًا"، رواه الترمذي، وأبو داود.

وفي يوم آخر، يستمع أبو بكر وعمر إلى ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم على قراءة ابن مسعود: "من سره أن يقرأ القرآن غضًّا كما أنزل فليقرأه من ابن أم عبد". فبادر عمر ليلاً لينقل البشرى لابن مسعود، فقال ابن مسعود: ما جاء بك هذه الساعة؟ قال عمر: جئت لأبشرك بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن مسعود: قد سبقك أبو بكر رضي الله عنه. قال عمر: إن يفعل فإنه سباق بالخيرات، ما استبقنا خيرًا قط إلا سبقنا إليه أبو بكر.

وهما من أجل ذلك كانت لهما مكانة خاصة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أنس رضي الله عنه قال: "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا أبو بكر وعمر؛ فإنهما كانا ينظران إليه، وينظر إليهما، ويتبسمان إليه، ويتبسم إليهما".

وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم، كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبو بكر، وعمر منهم وأنعما".

وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قيل له صلى الله عليه وآله وسلم:"... أفلا تبعث أبا بكر، وعمر فهما أفضل؟ قال: إنه لا غنى بي عنهما، إنهما من هذا الدين بمنزلة السمع والبصر من الرأس".

لم يتركا النبي حتى في أشد الأوقات صعوبة، قال خليل بن أبيك الصفدي: "ومن الذين ثبتوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين حين فر الناس عنه تسعة، وهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، وأبو سفيان ابن الحارث، وابنه الفضل، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن بن أم أيمن بن عبيد، وفتل يومئذ، وبعض الناس يعد قثم بن العباس، ولم يعد أبا سفيان رضي الله عنهم أجمعين ..".

وذكر صاحب كتاب "الإصابة"، أن أبا بكر أسلم وله أربعون ألف درهم أنفقها كلها في سبيل الله، اشترى بعيرًا وقدّمه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليحمله إلى يثرب، اشترى العبيد الذين أسلموا وحررهم من ظلم المشركين؛ فأعتق بلال بن رباح، وعامر بن فهيرة، ونذيرة، والنهديّة وابنتها، وجارية بني المؤمل، وأمّ عبيس.

وقال صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر: "إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبي بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتّخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام".

ومن الذين أنفق عليهم أبو بكر ابتغاء وجه الله "مسطح بن أثاثة" الّذي شارك في حديث الإفك، واستمر بالإنفاق عليه بعد حديث الإفك بتوجيه من ربه.

كما كان عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو من أثرياء الصحابة، من أولئك الذين عرف عنهم الإنفاق في سبيل الله، حتى إنه جهز جيش المسلمين بالكامل من ماله الخاص، فعن عبدالرحمن بن حباب قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على جيش العسرة، فقام عثمان بن عفان. فقال: يا رسول الله عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله، مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان يا رسول الله عليَّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل على المنبر وهو يقول: "ما على عثمان ما عمل بعد هذه، ما على عثمان ما عمل بعد هذه".

وفي رواية أخرى، قال عبدالرحمن بن سمرة رضي الله عنهما: جاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة قال: فجعل النبي صلى الله على وسلم يقلبها بيده ويقول: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم، يرددها مرارًا".

ولا ينسى لعثمان موقفه الأشهر حين اشترى "بئر رومة" التي كانت ملكًا لأحد الصحابة واسمه "رومة الغفاري"، وكان يبيع منها الماء بمقابل مد مليء بشعير أو البر، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم "تبيعها بعين في الجنة"، فقال ليس لي يا رسول الله عين غيرها لا أستطيع.

فبلغ ذلك عثمان بن عفان فاشتراها بـ35 ألف درهم، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أتجعل لي مثل الذي جعلت له عينًا في الجنة إن اشتريتها فقال الرسول الكريم: "نعم، فقال عثمان قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين".

وحث النبي صلى الله عليه وسلم على المبادرة والمسارعة في أمور الآخرة، فقال: "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم..."، وقال: "التؤدة في كل شيء خير، إلا في عمل الآخرة"، والمقصود: أنك أيها المؤمن لا تتأخر عن الاستجابة لأمر ربك، ولا تتباطئ عن شيء يطلبه منك، فما أمرك بذلك إلا حبًا فيك، ورغبة بأن تكون من أهل جنته.

ومن صور ذلك التنافس المحمود المرغوب هو الإسراع للاستجابة لنداء الخالق جل في علاه، كالأذان والصف الأول، والتبكير إلى الصلوات، قال صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجيز لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا".

اضافة تعليق